الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



الأزمة السياسية تضاعف خطر الإرهاب

التّلاعب بالأمن القومي...ممنوع


بقلم: منور مليتي

على كل الأطراف التي كانت وراء الأزمة السياسية بصفة مباشرة أو غير مباشرة أن تقرأ جيدا مبادرة رئيس الدولة بانعقاد مجلس الأمن القومي بصفة استثنائية والكلمة المرتجلة التي ألقاها خلال زيارته لجرحى الهجوم الإرهابي قراءة سياسية وأمنية وأن تعي أنها المعنية الأولى بترحيل أو محاولة ترحيل الأزمة السياسية إلى أزمة امنية أو أزمة امن قومي لأنها الجهات الوحيدة التي ما انفكت تجر مؤسسات الدولة إلى نوع من التفكك في ظل تجاذبات تسعى إلى بسط هيمنتها عليها بطريقة انتهازية مقيتة تستخف بتونس دولة وشعبا.

لم يتحدث رئيس الدولة طويلا لأنه من صنف رجال الدولة الذين يفضلون المبادرات والافعال على الأقوال التي تذروها الرياح ولم يقدم بلاغ مجلس الأمن القومي إيضاحات تفصيلية لأن المجلس يدرك جيدا حساسية الأمن القومي ويدرك جيدا أنه هيكل حيادي ولكن حين يتعلق الأمر بأمن تونس واستقرارها فلا يجدي سوى العمل على تحديد المسؤوليات لا بناء على تخمينات ولا تأويلات ولا أوزان انتخابية وإنما بناء على المصلحة الوطنية التي باتت الأحزاب تتلاعب بها مستغلة مساحات الحرية.

وفي ظل الأزمة السياسية التي تم ترحيلها أو تكاد إلى الأجهزة الأمنية نتيجة التجاذبات على وزارة الداخلية على السياسيين أن يتوقعوا أي مبادرة لأنهم هم المسؤولون عن إرباك الأجهزة الأمنية وفي مقدمتها وحدات الحرس الوطني وكل الأجهزة ولا مجال هنا لأي شكل من أشكال التفصي من المسؤولية فقد صبرت تونس كثيرا على الحسابات السياسية التي تحولت إلى ما يشبه السوق التجارية لتزايد على ثمن تونس.

ما كان للإرهابيين أن يعودوا بعد عامين من النجاحات الأمنية التي يفتخر بها كل تونسي وطني غيور على البلاد وحنون على الأجهزة الأمنية لولا حالة الاستخفاف بالشأن العام التي تنتهجها الأحزاب السياسية سواء منها الحاكمة أو في المعارضة، فالحاكمة تتحمل المسؤولية الأولى ولا يطلب منها الشعب سوى أن تترك الأجهزة الأمنية تشتغل بمهنية وفي إطار الحيادية على الرغم من أنه يجب عليها أن توفر لها الإسناد السياسي الضروري وليس ذلك بمنّة، والمعارضة مسؤولة أيضا لأنها تخلت عن دورها كقوة ضغط إيجابية تضع حدا لشراهة كل من النهضة والنداء في الاستئثار بمواقع القرار الإداري والسياسي.

ألم تع النهضة بعد أن خروجها عن الإجماع الوطني وتحريضها ليوسف الشاهد رئيس الحكومة ضد النداء أو شق منه إنما يجر البلاد إلى مستنقع الفوضى على الرغم من استبعادنا لمثل هذه المحاولات البائسة ألم تع بعد أن الخروج عن الإجماع واختتيار مواقع الربوة والمستنقعات إنما هو نوع من التلاعب بالأمن القومي وما هجوم جندوبة إلى دليل على ذلك وهي تتحمل المسؤولية شاءت أم أبت؟

ألم يع النداء أن تناسل أزماته وهو الحزب الذي يقود الحكومة إنما هو مفاضلة للشأن الحزبي الضيق والإنتهازي على الشأن الوطني؟ ألم يع بعد أن التونسيين يراهنون عليه لا فقط لقيادة مشروع وطني وإنما يراهنون عليه لقيادة مؤسسات الدولة وأجهزتها وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية التي تصارع طيلة ثماني سنوات ظاهرة الإرهاب ألم يعي بعد أنه تحول إلى مشكل سياسي وأمني أرهقت أزماته تونس دولة وشعبا؟

ألم تع المعارضة بعد أن دورها لا يقف عند حدود التنديد أو الانتقادات وإنما يتعدى ذلك إلى بناء قوة سياسية برامجية تكون كفيلة بتقديم البديل وتدافع عن مؤسسات الدولة وتستميت في ممارسة ضغطها الإيجابي حتى تقنع التونسيين بان المسار الانتقالي هو مسار متوازن بين الحاكمين والمعارضين وتقنع مؤسسات الدولة بانها لا تقل حرصا على حمايتها واسنادها عن أي جهة أخرى؟ ألم تع بعد أنها طرف في الأزمة بطريقة غير مباشرة ويجب عليها ان ترفع من أدائها وتكف عن دورها السلبي؟

الهجوم الإرهابي لا يمكن فهمه إلا كجزء من الأزمة السياسية أو هو بالأحرى نتيجة طبيعية للأزمة السياسية وهو نتيجة أيضا للتجاذبات السياسية التي تسعى إلى تجريد الأجهزة الأمنية من مهنيتها ومن حيادها ومن أدائها، الهجوم الإرهابي هو من صميم الأزمة أما من يتقول علينا بغير ذلك فهو إما مخاتل جبان أو هو خارج مسوغات العملية السياسية التي تفرض أن تلتف الأحزاب السياسية حول كيان الدولة المدنية وتوفر لها الإسناد السياسي الكافي وتقنعها بان الحرب على الإرهاب ليست فقط حربا أمنية وإنما هي أيضا حرب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.

أبعد من ذلك اين جهود الأحزاب السياسية مقارنة بجهود رئيس الدولة الذي تحمل من الصبر على مناوراتها ما لا يتحمله أي رئيس دولة أخرى؟ كان بإمكانه ووفق صلاحياته أن يتخذ من الإجراءات ما يضع حدا لتنطع الأحزاب ولن نكشف هنا عن الإجراءات لأنها معلومة ولكن صبره لم ينفد بعد وهو ما أكدته الكلمة المرتجلة إذ تسلّح بشجاعة رجال الدولة الكبار ولم يرم المسؤولية على الآخرين وقال أنا المسؤول عن أمن البلاد وعن الدولة المدنية وعن مصلحة تونس والحال أن المسؤولية الأولى ملقاة على عاتق السياسيين لكن شتان بين منطق رئيس الدولة الذي ينتصر للوحدة الوطنية وتضامن التونسيين مهما اختلفت مرجعياتهم الفكرية وتوجهاتهم السياسية وبين منطق الأحزاب الذي لا نعثر له على أي منطق وطني مسؤول وشجاع وجريء.

خلال السنوات الثماني الماضية قادت وحدات الجيش والحرس الوطني والأجهزة الأمنية جهودا مضنية ضد الإرهابيين ولاحقتهم في جحورهم في سفوح الجبال وفي المغاور وفي الأحياء الشعبية وفي الجهات الداخلية وأيضا في المساجد التي تحولت إلى أوكار وقلنا عندها إن السياسيين مازالوا في طور التجربة وتسامح المجتمع معهم تماما كما تسامحت الأجهزة الأمنية لكن بعد ثماني سنوات انتهت فسحة التسامح طالما أن الأمر بات يمس الأمن القومي وطالما أن الأحزاب السياسية لا يعنيها الأمن القومي في شيء وكل ما يعنيها هو الأمن الحزبي، تراقب سقوط الشهداء وكأنها تشاهد فيلما من الأفلام من مقرات مكاتبها وفي أفضل الحالات تخرج علينا ببيانات التنديد والاستنكار وهي التي أشعلت فتيل الاحتقان والأزمات وهي التي لم تستح بعد من أن دماء الشهداء حبل في اعناقها إن لم تسارع إلى لملمة اطيافها وانهاء الأزمة فلن تكون بمنأى عن الهجمات الإرهابية ولا عن سخط التونسيين وهم يشيّعون الشهداء بالزغاريد.

اليوم تحول الإرهاب إلى جزء من الأزمة السياسية وهذه الحقيقة الوحيدة التي يجب الإقرار بها مهما كانت مواقف الأحزاب واليوم تم ترحيل الأزمة السياسية إلى المسألة الأمنية واليوم تحولت الأزمة السياسية إلى مسألة أمن قومي ومن حق رئيس الدولة أن يتخذ أي مبادرة تنهي الوضع القائم لأن البلاد لم تعد قادرة على تحمل المزيد من الهشاشة ولأن الأحزاب السياسية لم تتحمل بعد مسؤوليتها الوطنية ولأن التونسيين لا يثقون إلاّ في مؤسسات الدولة وفي مقدمتها مؤسسة الرئاسة التي تعد عنصر التوازن الوحيد وأثبتت أنه في كل مأساة يتحدث رئيس الدولة بكل صراحة ويقدم نفسه على أنه المسؤول الأول على الرغم من أن التونسيين مقتنعيون أنه ليس المسؤول في ظل مساحات الحرية التي تتمتع بها الأحزاب السياسية لكن يبدو أنها خانت الأمانة.

من يلقي نظرة على الشأن العام لا يكاد يرى من عنصر توازن سوى رئيس الدولة ولا يكاد يرى حركة تخفف من آهات التونسيين سوى رئيس الدولة وهذا وضع غير سليم لأن الشأن العام الداخلي من مشمولات الحكومة ومن مشمولات القوى السياسية المدنية ولذلك تفرض الأوضاع العامة انهاء الأزمة السياسية في أقرب وقت وبأي وسيلة من الوسائل ومن يحاول التنصل أو المناورة فما عليه إلا أن ينسحب من الحياة السياسية ويركن الى مكتبه المكيف ويترك الأجهزة الأمنية ومختلف مؤسسات الدولة تشتغل وفق منطق الدولة وبناء على مصلحة تونس لأن الأمن القومي بات يعد خطا أحمر.