الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



«كِي تْحُكْ الرْكُبْ» كما في مأثوره

هل تحرّك الرئيس في التوقيت المناسب..!؟


بقلم: لطفي العربي السنوسي

في كلمته المرتجلة وبعد عيادته لجرحى العملية الارهابية بالمستشفى العسكري بعث الرئيس السبسي برسائل مشفّرة الى حلفائه في الحكم غلّفها بحكمة تونسية قديمة فبعد حديثه عن ضعف الوحدة بين التونسيين قال «كِي تْحُك الركُبْ كلْ واحِدْ يَعرِفْ شْكونْ بُوهْ وشْكُون أمُْو» وهي مأثرة تونسية من صميم الأمثال القديمة الدارجة وتطلق في وضعيات ومقامات مختلفة وخاصة خلال الازمات والمعارك التي كانت شائعة في بداية الستينات من القرن الماضي بين العائلات «والعروش» المتصاهرة والمختلطة.

الرئيس اطلق هذا المأثور في سياق هذا التوتر السياسي الذي تعيشه تونس وقد ازداد توترا وارتباكا بعد الجريمة الارهابية في «عين سلطان» من ولاية جندوبة وذهب ضحيتها عدد من المغدورين من شباب الحرس الوطني.. والمأثور ـ في الواقع ـ يتكتم على أكثر من رسالة موجهة الى اطراف متعددة.. فهو موجه ـ أولا ـ الى الشعب التونسي بدعوته الى التوحد والوقوف وراء المؤسستين الامنية والعسكرية وعدم الانسياق وراء خطابات توظيف دم الابناء المغدورين في المعارك السياسية... فبقوله: «عندما تحك الركب كل واحد يعرف شكون بوه وشكون أمو» انما هو تعبير عميق للتأكيد على ان دم الشهداء انما هو دمنا.. دم أهلنا اخوة وابناء وبالتالي فان «وحدة الشعب» في هذه اللحظة الموجعة ضرورية لمواجهة عدو واضح دمه هجين ومستباح...

هذا على مستوى الدرجة الأولى من التأويل اما اذا ما قلّبنا المأثور المشار اليه على وجهه الآخر فقد استنجد به الرئيس للتعبير عن غضبه ممّا آلت اليه الاوضاع في تونس وخاصة على مستوى المشهد السياسي وداخل منظومة الحكم تحديدا وهي «مأثرة» موجهة مباشرة الى اطراف سياسية بعينها وفيها وعد أو تأكيد بان تواصل الحال على ما هو عليه مستحيل وغير ممكن... لذلك لا نستبعد بان الرئيس باستدعائه مأثور «الرْكُبْ» انما هو يتوجه بكلامه الى حركة النهضة ايضا ـ شريك الحكم التي اعادها السبسي الى الحكم من الأبواب الخلفية وتحت عنوان التحالف الاضطراري مع الحركة وبدعوى (باطلة) ان النداء الذي فاز بتشريعية ورئاسية 2014 غير قادر على الحكم بمفرده دون اسناد اخواني حاز كتلة برلمانية كبيرة ومؤثرة يمكن لها ان تعطل السير الطبيعي للحكم (برلمانيا) ما لم تكن شريكة حكم...

«الاخوان» شركاء الحكم خذلوا الرئيس في اللحظات الأخيرة واربكوا وثيقة قرطاج الثانية التي انتهت صلاحيتها في الواقع وذلك بتمسكهم منفردين بالشاهد وحكومته والتي تحولت الى حكومة اخوانية بلا حزام سياسي غير الحزام السميك للاخوان وقد اوقعوا الرئيس في مأزق لا يمكن تجاوزه الا بالعودة الى الدستور وفي الدستور مزالق ومخاطر حتى على بقاء الرئيس بطم طميمه...

وقد تحرّك الرئيس ـ كما يبدو ـ متأخرا ليدرك ان التحالف مع الاخوان هو تماما كتحالف الراعي مع الذئب والدرس التونسي في هذا الصدد له اكثر من صفحة اهمها صفحة تحالف الاخوان مع حزب التكتل من اجل العمل والحريات الذي هرّأته النهضة ثم دفعت به مهزوما الى ذاكرة النسيان.. وكذلك الامر في تحالفها مع حزب المؤتمر الذي اندثر تماما أو يكاد وهي عملت وما تزال تعمل على تهرئة حزب نداء تونس وعلى عزل رئيسه المؤسس الباجي قائد السبسي ولوت ذراعه عندما احتاج اليها لتنفيذ مخرجات وثيقة قرطاج الثانية...

«كي تحك الركب كل واحد يعرف شكون بوه وشكون أمو».. ويبدو ان الرئيس ورغم الاستفاقة المتأخرة قد ادرك انه لم يعد ممكنا الذهاب اكثر وبعيدا في توافق مغشوش مع حركة الاخوان وأن الاوان قد حان لفك الارتباط مع الاسلام السياسي بشكل نهائي ودون مواربة أو تردد وهو ما عبرت عنه قيادات ندائية بوضوح واعتبرته خيار انقاذ قبل فوات الاوان ويبدو رئيس الجمهورية مقتنعا تماما بضرورة هذا الحسم وبشكل مستعجل وهو ـ كما نعلم ـ بصدد تهيئة مبادرة سياسية باعادة الروافد اليسارية والاجتماعية والنقابية المؤسسة لنداء تونس والتي كانت سنده القوي قبل ان تنشق وتغادر الى مصائر مختلفة عبر الانتصاب لحسابها الخاص والمبادرة ان تمت فانها ولا شك ستعيد النداء الى موقعه كحزب بامكانه تجميع القاعدة الديمقراطية من حوله ولن يدرك ذلك الا بالاعلان وبوضوح عن فك ارتباطه بحركة الاخوان المنزعجة في الواقع من تحركات الرئيس في هذا الاتجاه خاصة بعد اجتماعه بقيادات ورموز حزب نداء تونس ممن انشقوا وغادروا... والمبادرة ـ ان تمت ـ فانها ـ ولا شك ـ ستكون معطى قويا لاحداث التوازن في المشهد السياسي الوطني خاصة لمواجهة الامتداد الاخواني الذي لا تخفى انتصاراته وقد اكتسح البلديات على امتداد الجغرافيا التونسية...

«كِي تْحُكْ الركُبْ كُلْ واحدْ يعرفْ شكُون بُوه وشكونْ أمُّو» موجهة ايضا الى رئيس الحكومة السيد يوسف الشاهد «الابن الروحي للرئيس كما في التوصيف الاعلامي الذي ارتمى في احضان حركة الاخوان واستغاث بها فأغاثته بل تبنته «كابن ضال» استعصى على الرئيس وعلى حزبه نداء تونس ولم يتردد في التشهير بنجل الرئيس في كلمة تلفزيونية اضافة الى اعتراضه على كل سياسات حزبه الذي دفع به الى رئاسة الحكومة بل ان السيد يوسف الشاهد قد وضع «ولي نعمته» الباجي قائد السبسي في مواقف محرجة لهيبة رئاسة الجمهورية فعزل من عزل دون استشارة الرئيس (وزير الداخلية لطفي ابراهيم انموذجا) مختفيا وراء صلاحياته الدستورية وهو الذي لم يكن قادرا على تمرير الخيط من عين الابرة دون الرجوع الى الرئيس...

«كِي تْحُك الركُب كل واحد يعرف شْكُون بُوه وشكُون أمُّو» مأثور قديم ارتجله الرئيس وهو يدرك جيدا «مرمى القصف» وهو متعدد في هذه الحال...