الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



لا نكوص ولا تراجع ولا مجال للفشل:

الاستحقاق الانتخابي يدخل مسار الجدّ وكل الطرق تؤدّي إلى الشرعية


بقلم: محمد بوعود

لم يبق الكثير، وسيتعامل رئيس الجمهورية مثلما يرى في ذلك مصلحة مع القانون الانتخابي المعدّل، الذي أدخلت عليه تنقيحات، قال البعض أنها اقصائية ومقصودة وأنها قطع طريق بالقانون على خصوم سياسيين، وقال آخرون أنها تحصين للديمقراطية نفسها من أعداء الديمقراطية، وصون للمسار السياسي من المغامرين والمشبوهين.

ومهما قيل عن هذه التنقيحات فان الفائدة حصلت، بعد كل الرجّات الأخيرة خصوصا ما تعلق بصحة رئيس الجمهورية وتواتر الحديث عن إمكانية الشغور الفجئي، وغيرها من الاحتمالات التي هددت بجدية المسار السياسي، ووضعت التونسيين أمام أسئلة كبرى بخصوص الثغرات الممكنة في القانون، والوضع المفخّخ لبعض فصول الدستور، والتي أثبتت تونس مرة أخرى أنها قادرة على تجاوزها متى تمسكت بعُلوية الدستور وسيادة القانون، وهو ما أثبته رئيس الجمهورية حين أمضى، رغم حالته الصحية الحرجة، على أمر دعوة الناخبين للإدلاء بأصواتهم.

هذا الالتزام من أعلى هرم السلطة، ومن الهيئة المستقلة للانتخابات، مثّل ضامنا أمام المغامرين وأمام البعض من دعاة التأجيل، ومن الذين حاولوا ما بوسعهم كي لا تُنجز في موعدها، واختلقوا الأعذار وتفلسفوا في نشر «التيئيس» والتشكيك ونظريات المؤامرة.وهو اليوم يمثل أيضا ضامنا لانجاز بقية الاستحقاقات، ويمثل بالخصوص قطعا للطريق أمام محاولات النكوص بالعملية السياسية، والعودة الى منطق الانقلابات وثقافة الاستيلاء على السلطة بالشهائد الطبية ومماحكات القصور ومؤامرات الحواشي.

وحين تقف تونس اليوم في أول الطريق المؤدية رأسا الى الانتخابات، فانها تحقق بلا شك عديد المكاسب لعل أهمها:

*أن هذا المسار لا رجعة فيه، وان الخيار الديمقراطي قد تغلب على كل الخيارات الأخرى، وأصبح هو السبيل الوحيد للوصول إلى السلطة.

*أن التونسيين قادرون على الإيفاء بالتزاماتهم الوطنية وحتى الدولية، وأنهم لا يمكن أن يتركوا البلاد نهبا للفراغ، ولا يمكن أن يلجؤوا الى التمديد أو للغموض أو إلى تشابك السلطات وتضارب المصالح، وهو أمر أكثر من جيّد لأنه يؤشّر على الأقل إلى أن الطبقة السياسية بكل سلبياتها، تقدر على الأقل أن تلتزم بالمصلحة العليا للبلاد، ولا تضارب أو تقامر بمصير الدولة مهما كانت الخلافات في ما بينها.

*أن الاستحقاق الانتخابي أصبح أمرا لا مهرب منه، وان ثقافة احترام المواعيد الانتخابية في آجالها أصبحت مترسّخة في العقل الجمعي التونسي، رغم المحاولات الشاذة المسكونة خاصة بهاجس الانقلابات والشعارات.

*أن التونسيين قد توفّرت لهم فرصة حقيقية لمحاسبة الحكام الذين أخفقوا في الفترات السابقة، وقلب الطاولة على كل من وعد ولم يف بوعوده، وإبعاد كل من أساء إلى البلاد، وتلاعب بأمنها واقتصادها، وكل من لم يكلّف نفسه العمل الجدّي الحريص على صون استقلالها وسيادتها، واحترام كرامة شعبها، وحقه في التنمية والعمل والحياة.

وهي مكاسب لا تتوفّر لدى أغلب الشعوب العربية، وكثير من شعوب آسيا وإفريقيا، وهي نتاج لتضحيات جسام، ومسار اختلطت فيه عديد السلبيات والايجابيات، وشهدنا فيه عددا لا يُحصى من الغلطات ومن العمل الهاوي، ومن انعدام التجربة ومن المغامرات السياسية والقفز نحو المجهول في عديد المرات، لكنه يُتوّج اليوم بالوصول الى حالة الاقتناع التام بان الانتخابات يجب أن تُجرى في مواعيدها، وانها هي الفيصل وهي الطريقة الوحيدة لتصعيد الرئيس ونواب الشعب، وانه لا مجال للتراجع عن العملية السياسية التي انطلقت في جانفي 2011، ولا مناص من مزيد تحصين الانتقال الديمقراطي، باعتباره الضامن الوحيد للتعايش وللتوافق وللمسار السياسي برُمّته.

واليوم أيضا حين يقف التونسيون أمام عملية انتخابية قادمة لا محالة، فإنهم يقفون أمام لحظة فارقة، وإما محطة مفصلية، سيكون بيدها الحسم في الحاضر، والقطع مع ما مضى، وبناء الغد الذي يختاره المواطنون بكل حرية، ليأتمونه على البلاد طيلة العُهدة القادمة، وليحاسبوه خلالها أو في نهايتها عما أنجزه، وعما تبقّى من وعوده وبرامجه.

وتونس التي يقول عنها الكثيرون أنها أنجزت ثورة بنجاح وخاضت غمار انتقال سياسي في ظروف عصيبة، وتعاني انسدادا كبيرا في الآفاق الاقتصادية والمالية، تنجح اليوم رغم كل ما تقدّم في الإيفاء على الأقل بالموعد الانتخابي الهام، وتقف على بُعد أمتار قليلة من التكريس الفعلي للديمقراطية كأداة حُكم وحيدة.

وهذا المُنجز الديمقراطي هو في حدّ ذاته مفخرة للتونسيين الذين لم يبق لهم الان الا أن يشمّروا على سواعد الجدّ ليختاروا طبقة سياسية تمثّلهم حقيقة، وليختاروا رئيسا يكون مؤتمنا على الصلاحيات الموكولة له، واولها الامن والدفاع والدبلوماسية، كما انها مناسبة ايضا ليقتصّوا ممن خذلهم، وأخذ اصواتهم ولم يف بتعهّداته.