الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



الحكومة وتحدّيات الأزمة:

معارضة داخلية وضغط خارجي.. دون ميزانية ودون حزام سياسي


بقلم: محمد بوعود

يتّفق الجميع في تونس على أن حكومة السيدة نجلاء بودن، حكومة استثنائية في ظرف استثنائي وباجراءات استثنائية، لكن الجميع يختلف في الامكانيات التي وُضعت على ذمة هذه الحكومة، باعتبار المنشإ الاول لها، اي اجراءات 25 جويلية، التي جاءت لتوقف التدهور السريع ولتنقذ البلاد من الأزمة، أي أن حكومة السيدة بودن حكومة أزمة، وبالتالي عليها مهام يجب أن تُنفّذ بحرفية عالية وباجراءات استثنائية وبحالة طوارئ على جميع الصُّعد حتى تتمكن من انجاز مهمتها الرئيسية وهي الخروج بالبلاد من الأزمة، وبعد ذلك لكل حادث حديث.

 

هذه المهمّة الرئيسية للحكومة تجعل من التساؤل عن الامكانيات المرصودة والظروف المحيطة أمرا مشروعا، خاصة وأنها لأول مرة منذ 2011 تصعد الى القصبة حكومة لا تمرّ عبر البرلمان، ولا تأخذ التزكية من الكتل التي تتآلف ساعتها وتعطيها اصواتها، لتكوّن في ما بعد الحزام السياسي الرافد والداعم لهذه الحكومة، تشرّع لها القوانين وتدافع عن خياراتها وتسائلها وتلومها وقد تعزلها أيضا اذا لم تتوافق مع مشاريعها السياسية.

٭ وبالتالي عنصر القوة الاول، الحزام السياسي مفقود، بل بالعكس كثير من القوى السياسية، خصوصا التي كانت تُعتبر قوية ونافذة بالمعنى العددي والسلطوي، تقف ضد هذه الحكومة وتعارضها بشدة.

٭ أما عنصر القوة الثاني فهو بلا شك الميزانية التي ستشتغل بها الحكومة، وهي الى حد الآن غير واضحة المعالم، خاصة وان الآجال توشك على الانتهاء، سواء بالنسبة للميزانية التكميلية لسنة 2021 أو الميزانية القادمة لسنة 2022، مضافا اليها الصعوبات المالية ومسألة القروض المتوقفة، والتقارير غير المطمئنة للبنك المركزي وتصنيف موديز والحذر الذي ينتاب البنوك المحلية في مسألة إقراض الحكومة، وهو ما يعسّر حتى مسألة الحلول الاستثنائية كاللجوء الى القرض الرقاعي من السوق الداخلية، الذي يبدو انه كان على رأس أولويات الحكومة، لكن النتائج التي قد يحققها والموارد التي يمكن أن يعبّئها هي التي تبقى محل تساؤل كبير خاصة في ظل الانكماش الاقتصادي الذي تقول التقارير انه سيتواصل إلى حدود نهاية 2024.

٭ عنصر القوة الثالث هو بلا شك الاستقرار السياسي، والذي عادة ما يكون مكفولا بحزب أو أكثر من حزب، تكون داعمة للحكومة ومدافعة عنها، وبمعارضة ضعيفة أو غير قادرة على زعزعة الاستقرار، في حين أن الوضع الراهن عكس ذلك تماما. فحكومة السيدة بودن تواجه معارضة قوية في أغلبية برلمانية سابقة، وعناصر أخرى التحقت بها بعد فترة الانتظار التي طالت عقب 25 جويلية، مضافا اليها أرتال من المتضررين من الاجراءات الاستثنائية، ومن الخائفين على الملفات، ومن المرتبطين بلوبيات ليس من مصلحتها ان ينجح المسار، والمطالبين ديمقراطيا بعودة النظام السياسي السابق، وغيرها من المجاميع التي بدأت تتشكل في كتلة رفض، استعرضت عضلاتها عديد المرات في الشارع، وقد تنمو أكثر، وتتحول الى قوة ضغط هائلة لا نعرف كيف ستتعاطى معها حكومة بودن ساعتها.

٭ عنصر القوة الرابع هو بلا شك الدعم الدولي، والذي لا يبدو انه متوفر بالحد الكافي حاليا لحكومة السيدة نجلاء بودن، خاصة في مناخ تسعى فيه كثير من القوى المؤثرة الى التحريض على المسار الجديد، وفيها من أنشأ شركات لوبيينغ ومن يتمتع بعلاقات ونفوذ في أوساط سياسية واعلامية فاعلة في عواصم الدعم، التي مازالت الى حد الان تراقب بحذر الوضع داخل تونس، ولم تندفع الا بعض الدول العربية في مساندة الاجراءات الاستثنائية، وهو دعم لا يكفي ولا يمكن ان يوفّر لوحده ضمانة قوة للحكومة الجديدة، رغم ان كثيرا من العواصم أيضا تتابع بارتياح تشكيل الحكومة وتنتظر الاجراءات التي ستعقبها.

وفي ظل هذا المناخ العام المتّسم كما أسلفنا بافتقاد الحكومة لعناصر قوة، وبغموض الرؤية حول الأولويات، نعود الى السؤال الرئيسي، هل ستقدر الحكومة على ممارسة مهامها وانجاز أهدافها في ظل انحسار هذه العناصر، وفي ظل ضغوطات لا يبدو انها سائرة نحو التراجع بل قد تزداد حدة في قادم الاسابيع والايام، اذا لم تتخذ الحكومة اجراءات واقعية وخطوات عملية تقدر من خلالها ان تسوّق صورة للداخل والخارج انها حكومة انجاز وانها جاءت لتعمل لا لتوزّع الخُطب والشعارات الرنانة؟