الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



بخطى حثيثة :

تونس نحو الجمهورية الثالثة ....


بقلم: منيرة رزقي

من الواضح أن منظومة الحكم التي قادت تونس حوالي عقد من الزمن انتهت صلوحيتها وهي تتهاوى اليوم أمام أعين الجميع بعد أن أثبتت فشلها الذريع في

الاستجابة لأشواق التونسيين نحو العدالة والكرامة والحرية.

فقد أظهر النظام السياسي الذي اعتمده التونسيون عقب ثورة 14 جانفي 2011 محدوديته وأبان عن عجز تمكين الفاعلين السياسيين من إدارة الشأن العام بالمرونة اللازمة وبالتمكين من أخذ القرارات بالدقة والسرعة اللازمتين.

 

فهذا النظام الذي اعتمده التونسيون تحت تأثير الخوف من عودة الاستبداد لا يجعل أحدا من الفاعلين السياسيين قادرا على الحكم وهو ما جعل البلاد تدخل في عطالة اقتصادية واجتماعية خلال العقد الأخير.

ولعل التسديدة التي قام بها رئيس الجمهورية قيس سعيد بلغة كرة القدم قد أصابت دون أدنى شك مرماها المعلوم للجميع فلا احد يمكنه أن يتغافل على أن سعيد ومنذ حملته الانتخابية قد أظهر تبرّما من النظام السياسي والانتخابي المعتمد في تونس وهو الذي قال ذلك في مجمل مداخلاته وتصريحاته الإعلامية حتى قبيل أن يترشح لانتخابات 2019.

وعليه فإن هدفه بات واضحا وهو هدف يتفق معه عدد كبير من التونسيين سواء كانوا من النخب العارفة بالشأن السياسي أو حتى من عموم التونسيين الذي ضجروا من حالة عدم الاستقرار السياسي والارتباك الحاصل في الأداء البرلماني من ناحية وعدم اتساق السلطة التشريعية مع نظيرتها التنفيذية في الكثير من القضايا والشؤون الحارقة التي غالبا ما تعطّلت بفعل الأهواء و الأمزجة.

ولأن الممارسة السياسية في بلادنا بلغت حدا من الترذيل غير مسبوق ويكفي أن ننظر إلى الأداء الكارثي للبرلمان حتى ندرك دون بالغ عناء أن تغيير النظام السياسي مهما كان مكلفا وحده الكفيل بإنقاذ ما يمكن إنقاذه وأن المكابرة والمضي قدما والدفع بالوقائع نحو أقصاها لن يقود سوى إلى هوة دونما قرار ستبلع الجميع كما أن الخوف من عودة الاستبداد لم يعد له ما يبرره خاصة مع تيقظ «حراس البوابة» ونعني الإعلاميين الشرفاء الذين وحدهم يحملون لواء حماية الحرية في كل مجالاتها كما أن يقظة المجتمع المدني والنخب الفكرية يمكن ان تكون حصانة ودعامة ضد أي محاولة للنكوص او الردة على الديمقراطية الناشئة.

ومن الواضح أن الجمهورية الثالثة قادمة لا محالة مع ما رافق الجمهورية الثانية من وهن ومع انهيار منظومة 14 جانفي التي كان أول مسمار وضع في نعشها الانتصار المدوي للرئيس قيس سعيد القادم من خارج دائرة الأحزاب تلك الشخصية المختلفة التي لا تمت لصلة لا بالمنظومة القديمة ولا الجديدة وبالرغم من الأداء الذي رافقه الكثير من الارتباك خاصة في البدايات إلا أن الصورة بدأت تتضح.

وقد جاء تكليف هشام المشيشي رئيسا للحكومة ليؤكد بما لا يدع مجالا للشك ان رئيس الجمهورية ماض في ما يعتقده بخصوص تركيز أسس الجمهورية الثالثة اعتمادا على المشروعية السياسية مع مراجعة ما يمكن مراجعته من الدستور والتحرك حتى اللحظة وفق ما منح له من صلاحيات.

وهو إذ يعين شخصية غير متحزبة وذات تكوين قانوني وإداري وبعيدة كل البعد عن دائرة النفوذ المالي يكون قد دشن مرحلة جديدة. وهو أيضا بهذا التكليف قد ردّ ردا صارما على عدم جدية مجمل الأحزاب أثناء عملية التشاور التي رشحت له وجوها سبق أن تم ترشيحها ورفضها وهي شخصيات من أصحاب المال على وجه الخصوص والطامحة في إطار تقاسم المغانم إلى الانقضاض على النفوذ السياسي إلى جانب بعض الوجوه التي تلاحقها شبهات فساد أو تضارب مصالح وهي الشبهة التي غادر بسببها رئيس حكومة تصريف الأعمال الياس الفخفاخ مستقيلا بعد النقد اللاذع والحملة الشرسة التي قادها خصومه ثم رشحوا شخصيات لتخلفه لا تختلف كثيرا من حيث «البروفيل» عنه.

وهذه المفارقة العجيبة هي التي جعلت رد الرئيس يكون صادما للبعض ويشفي الغليل للبعض الآخر علّنا نقطع مع مظاهر غياب الجدية والعقلانية والحسابات الضيقة النفعية التي لا تخدم سوى أصحابها.

كما أن الانسجام الواضح بينه وبين رئيس الحكومة المكلف سيوفر على تونس الكثير من الوقت إذا تمت إدارة المرحلة بالحنكة والحكمة المطلوبتين.

ولكن الأهم هو أنه من الواضح أن البدائل باتت ممكنة وانه يمكن الخروج من الدائرة الجهنمية التي فرضها منطق ميكيافيلي لمجمل الأحزاب السياسية التي تؤثث المشهد التونسي.

ولعل تحرر رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف من اكراهات الانتماء الحزبي سيجعلنا نرى نورا في آخر النفق.

ولعل هذه اللحظة تكون مفصلية في تاريخ تونس المعاصرة حيث يمكن لهذا الذي جاء من حيث لم يتوقع أحد أن يغيّر مجرى التاريخ من يدري ... لننتظر ونرى ....