الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



رغما عنها أو تسليما بالأمر الواقع الجديد

«المعارضة»... والصمت المريب...!


بقلم: محمد بوعود

للأسبوع الثالث على التوالي تواصل تونس مضيّها في حياة سياسية دون دعوات للتظاهر والاحتجاج، ودون مواعيد للهتاف ضد الرئيس، ودون اختلاف في عدد الحضور، ولا عراك حول من اعتدى على الصحفيين، ودون تحشيد على صفحات التواصل الاجتماعي، ولا نفير الخروج ولا حتى طواف الإفاضة.

 

الأحزاب والقوى المتضررة من اجراءات 25 جويلية الاستثنائية لم تغيّر موقفها، ولم تنزّل في حدّة خطابها، ولم تجد بعد سبيلا للتواصل مع رئيس الجمهورية، كما لم تحقق تقدما ملحوظا في دعوات التنسيق في ما بينها، والنشطاء السياسيون «المستقلون» الذين كثيرا ما ألهبوا التظاهرات والاحتجاجات، لم يغيّروا موقفهم ولم يجنحوا الى «السلّم» مع رئيس الجمهورية، ولم يجدّ أي جديد في خصوص مطالبهم المتمحورة حول اعادة البرلمان وشطب اجراءات 25 جويلية وتصل أحيانا الى اسقاط الانقلاب ومحاكمة الرئيس والعودة الى ما قبل الاجراءات الاستثنائية كلها.

الرئيس بدوره لم يغيّر مواقفه من هؤلاء جميعا، ولم يمدّ لهم أي يد للحوار ولا للمصالحة، بل زاد منسوب الغضب في خطاباته الاخيرة، واصفا اياهم بالشياطين وبالمتآمرين والفاسدين، ولا تلوح في الأفق اي بادرة من ناحيته للاتصال بهم او الجلوس معهم ومحاورتهم، ويبدو أنه ماض في مساره الى النهاية.

كذلك بالنسبة للعامل الخارجي، لم يجدّ أي جديد، وحتى انتظارات المعارضة من اجتماع في الكونغرس الأمريكي خُصص للنظر في المسألة التونسية، واجتماع للاتحاد الأوروبي أيضا، وبعض تصريحات مسؤولين أجانب، كلها لم تتغير ولم تأت بجديد في ما يتعلق بالوضع السياسي التونسيّ، وما تزال تراوح مكانها ما بين الترقّب والحذر وما بين الدعوات لاحترام المؤسسات ومواصلة المسار الديمقراطي.

كل هذا الاستقرار على كل الجبهات، يوحي بأن لا شيء يبرر صمت المعارضة وركونها للانتظار، فهل تعب المتظاهرون أم يئسوا أم هل هناك ما يُدبّر في الخفاء للاستعاضة عن الاحتجاج بأساليب أخرى، أم أن المعارضة اقتنعت أخيرا بلاجدوى الاحتجاج وقررت القبول بالهزيمة، أو ما تسميه الأمر الواقع الجديد؟

كل التقارير لا تشير إلى تسليمها بالأمر الواقع ولا إلى قبولها بالسياسات الجديدة التي أعلن عنها رئيس الدولة، وبالتالي تبدو المسألة وكأنها استراحة محارب من المعارضين في انتظار ربما العودة الى الاحتجاج بعد رصّ الصفوف، او البحث عن أساليب أكثر تأثيرا من الاحتجاج الذي يبدو ان أنصار قيس سعيد وجدوا الطريقة المثلى للتغطية عليه من خلال تحشيدهم للتظاهر ردّا على كل تحرّك تقوم به المعارضة، واظهار قوتهم واستعراض أعدادهم في الشارع.

لكن توقعات أخرى تذهب الى ان المعارضة أعطت لنفسها، وللشارع، فرصة تنفس او استراحة مؤقتة بعد تسمية السيدة نجلاء بودن والاعلان عن حكومتها، وذلك حتى لا تظهر المعارضة وكأنها سلبية وضد كل الخطوات والانجازات، وحتى تتجنّب السؤال الشعبي التقليدي: لماذا لا تعطونها فرصة وتنتظرون ما ترونه منها؟ وهي كذلك بالتأكيد لا تبحث عن الصدام مع حكومة فتيّة مازالت غير واضحة المعالم والتوجهات، ومازالت تتلمّس خطواتها الاولى في عالم الحكم.

واذا كانت كل التوقعات تنفي ان يبادر الرئيس لفتح قنوات اتصال مع المعارضة، على الاقل في مستوى الاحزاب التي أمضى على تحييدها واخراجها من المشهد في 25 جويلية، او على مستوى الشخصيات السياسية والحقوقية التي بدأت تتصدّر المشهد الشارعي المعارض، فان توقعات أخرى لا تنفي ان تكون المعارضة تطبخ مبادرة للحلحلة وتبحث عن مخارج للحفاظ على موقعها أولا كقوى سياسية لا تريد ان تذوب وتضمحل اذا ما ركنت الى الصمت، وتعرف ان التيار سيجرفها وتنتهي ان هي خمدت أصواتها، وتبحث أيضا عن طرق فعّالة لتحصيل ما يمكن تحصيله من الوضع الجديد، خاصة ان الطرق التقليدية التي جربتها، كالتظاهر واصدار البيانات والتصريحات، والاستنجاد بالاجنبي والتعويل على الخارج، كلها لم تؤت أكلها، وبالتالي لم تمكنها من استعادة ولو واحد بالمائة من المشهد السياسي الجديد، فيصبح كل احتمال للنفاذ الى الساحة، هو احتمال يُقبل، ويجب دراسته والتعاطي معه، بحثا عن منافذ الى القصر الرئاسي، وبحثا عن قناة يمكن ان تُفتح وتكون «رأس جسر» لحوار ممكن.