الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



في ثاني اجتماع لمجلس الوزراء...

الرئيس يواصل العزف على أوتار مشروع سياسي غامض !


بقلم: مراد علالة

للأسبوع الثاني على التوالي وفي نفس اليوم، أشرف رئيس الجمهورية قيس سعيّد الخميس 21 أكتوبر 2021 بقصر قرطاج على الاجتماع الثاني لمجلس الوزراء الذي خُصّص للتداول في مشروعي مرسومين أحدهما يتعلق باتفاق قرض والآخر برخص استغلال محلات بيع التبغ علاوة على الاستماع إلى بيانين يتعلقان بالوضعين الاقتصادي والمالي في تونس وفق ما نشرته الصفحة الرسمية للرئاسة.

 

 

وفي غياب التفاصيل وفي ظل صمت رئيسة الحكومة ووزرائها وعدم وقوفنا على وجود تفاعل في الإبان، تظل كلمة رئيس الدولة في افتتاح أعمال مجلس الوزراء على درجة كبيرة من الأهمية لكونها ترسم في نهاية المطاف التوجهات العامة لساكن قرطاج وتعكس درجة تفاعله مع الداخل والخارج، وتبقى نقاط جدول الأعمال من التفاصيل بما أنها لا تحمل الكثير من الجديد فبند المصادقة على مرسوم اتفاقية قرض مثلا كان موجودا في المجلس السابق كما كان بندا قارا في جلسات البرلمان.

وليس أدل على تفاعل الرئيس مع الأصوات المرتفعة في تونس وفي الدول «الصديقة» من تركيزه في بداية كلمته على حرص تونس على مواصلة تعزيز علاقات التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة بقدر تمسّكها بسيادتها الوطنية وباحترام اختيارات الشعب التونسي، وأكّد مرة أخرى «رفض كل محاولات الاستقواء بالخارج للتدخل في الشؤون الداخلية لبلادنا أو الإساءة إليها».

ليس ذلك فحسب، انتقد بشدّة من «باعوا ذممهم للخارج» على حد تعبيره، ولم يتردّد في تخوينهم والتلويح بأنهم سيكونون إلى جانب اللصوص والفاسدين غير معنيين بالحوار الوطني.

وهنا، لم يكن الرئيس في تقديرنا مطالبا بالتوقف كثيرا عند «تدخل» دول ومؤسسات وبرلمانات أجنبية في بلادنا فتلك من بين إكراهات العلاقات الدولية مع الدول النافذة والمجتمعات الغربية التي يبدو أن لها فهما خاطئا ومنحازا للمصلحة المشتركة ولمبدإ التضامن الدولي، دون أن ننسى أن قانون اللعبة يفرض علينا التعاطي مع النقد بنفس روح الترحيب عند الثناء والمساعدة.

وهنا ظهر جليا أننا تحت الضغط العالي، وأن الوضع يقتضي التأكيد بأن التسقيف والعودة عن التدابير الاستثنائية «قريبة» بل و«قريبة جدا»، وثمة حتى حديث عن مهلة الشهرين أو الثلاثة لإتمام الحوار المنشود وكلّنا ندرك أن الزمن السياسي للرجل بطيء جدا..

الأهم في رأينا أيضا، هو ما رشح وكان شحيحا مرة أخرى في الخطاب عمّا يمكن أن نسميه بـ «المشروع السياسي» للرئيس قيس سعيد الذي يتجاوز يافطة «الحرب على الفساد» وهي يافطة تظل سلاحا نوعيا للحشد والتعبئة تستخدمه أيضا الحشود والمجموعات والتنسيقيات والحملات التفسيرية المنتشرة في ربوع الوطن والتي كان لها مثلما هو معلوم دور بارز في الاستحقاق الرئاسي 2019 وهي اليوم تقول أنها «على العهد» لـ «البناء الجديد».

ومن خلال الكلمة دائما، برز ركنان رئيسيان في المشروع، الأول هو الصلح الجزائي والثاني الحوار الذي سيفضي إلى البت في النظامين السياسي والانتخابي للبلاد.

بالنسبة إلى الركن الأول، ورغم كونه أشار للموضوع في مناسبة سابقة قبل «25 جويلية» وتحدث عن مبادرة تشريعية في الغرض، فقد عاد رئيس الدولة إلى «مشروع الصلح الجزائي» و تحدث عن خصوصياته ودوره في استعادة أموال الشعب المنهوبة وتوظيفها في تحقيق مشاريع واستثمارات في كامل تراب الجمهورية وهو مشروع روّج له منذ 2012 وبشّرنا أن مرسوما يُجهز في الغرض، وللأسف زادت التوضيحات التي قدّمها بخصوصه في غموض الموضوع، فالحديث عن «تبنّي» رجال أعمال لمعتمديات «منكوبة» والاستجابة لإرادة سكانها والبقاء رهن متابعتهم عقدا من الزمن يطرح سؤال الدولة الوطنية ودورها ومنوال التنمية والمخططات الوطنية !.

أما في علاقة بالحوار، فتجدر الإشارة إلى مسألتين، القطع مع الصيغ القديمة للحوار وانتقادها وحتى السخرية الرمزية منها بقطع النظر عن بعض مكاسبها وعن الأطراف التي أنجزتها، وتنزيل الحوار الجديد في صميم المشروع السياسي حيث يتحول إلى قناة وأداة لتمريره.

وبالنسبة إلى قيس سعيد، فإن الحوار «النزيه» يشارك فيه الشباب في كامل التراب التونسي و«لن يشمل كلّ من استولى على أموال الشعب أو من باع ذمّته إلى الخارج» ويتطرّق إلى عدّة مواضيع من بينها النظامان السياسي والانتخابي في تونس وهذا مربط الفرس.

الطريف أنه سيكون حوارا شبابيا شعبيا «افتراضيا» عبر الشبكة العنكبوتية ليفضي إلى بلورة مقترحات تأليفية في إطار مؤتمر وطني لا تأكيد ولا نفي لمشاركة القوى السياسية والمدنية فيه والحال ان الأصل في الأشياء أن الحوار المؤسس للعقد الاجتماعي يفترض مشاركة واسعة للكيانات والمؤسسات والفاعلين السياسيين والاجتماعيين وخصوصا من لم يكونوا سببا في الأزمة وتحمّلوا مسؤولية في الفساد والإفساد والخراب الذي حل بالبلاد والعباد وهذا أمر طبيعي، أما غضّ الطرف عن شريك وطني واجتماعي كالاتحاد العام التونسي للشغل أو كذلك منظمة الأعراف وغيرها من المنظمات المهنية والقوى السياسية المدنية فهذه مغامرة وإقصاء غير محمود العواقب لأن بناء السلم الاجتماعي يقتضي التشاركية والثقة المتبادلة والتواصل الدائم.

وهذه الهواجس هي التي كانت على ما يبدو محور أو لنقل في غياب المعلومة المحرك للتداول في الوضع الاقتصادي وضرورة تنفيذ برنامج مستعجل لإنعاش الاقتصاد وإدخال إصلاحات اقتصادية هيكلية والتشجيع على التقشف وترشيد النفقات في إطار شراكة حقيقية مع الشركاء الاجتماعيين حسب ما جادت به الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية.