الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



ما بين تشكيل الحكومة والأمن القومي مسافات طويلة

الطبقة السياسية انشغلت بالآني وتركت الاستراتيجي


بقلم: محمد بوعود

في حديثه عن الوضع العام في البلاد قال نور الدين الطبوبي «إننا قد تجاوزنا كل الخطوط الحمراء، وتوقف الفسفاط والمجمع الكيمياوي وآبار النفط هي مسألة أمن قومي»، لكن المشكلة أن هذه القطاعات التي سمّاها الطبوبي وقال أنها أمن قومي، هي فعلا متوقفة منذ سنوات، بل انها أصبحت كحافلة متهالكة، تشتغل أياما لتتوقف أشهرا، وأصبحت من أبسط الاشياء التي يسارع كل من لا تعجبه الاوضاع الى ايقافها واغلاقها، أمام الرأي العام وأمام الدولة وأمام القوة الشرعية التي من المفترض ان تحرص قبل كل شيء، حتى قبل قوت المواطن على «الأمن القومي».

 

لا يستطيع أحد أن ينفي أن الدولة متورطة حدّ النخاع في ضرب أمنها القومي، وتقريبا بشكل متعمّد غالب الاحيان، لأنه لا يستطيع أحد أن ينكر أن الطبقة السياسية التي حكمت منذ 2011 الى الان أمام أمرين اثنين لا ثالث لهما، اما أنها لا تعرف معنى الامن القومي ولا يعنيها في شيء، واما انها تعرفه لكنها تتعمد ضربه لإضعاف الدولة واسقاطها.

وفي الحالات التي تطرق اليها الامين العام لاتحاد الشغل، وقفت الدولة مواقف سلبية، وفي كثير من الاحيان متواطئة، ومتعمدة، خاصة في مسألة اغلاق مواقع الانتاج في قفصة وفي تطاوين، وكان بإمكانها أن تمنع بموجب القانون والقوّة أيّ شخص من تهديد منابع الثروة التي تعود بالفائدة على كل البلاد والتي يعتبر إيقافها ضربا من الاعتداء على السيادة الوطنية والتهديد الخطير، مثله مثل غزو خارجي.

كما اعتمدت أجهزة الحكم في مختلف المراحل ومع كل أنواع الحكومات، تكريس منطق الجهوية في التعاطي مع هذه الثروات، وأصرّت في كل مرة على رفض الحوار الوطني الشامل حول هذه الاشكالات وحوّلتها بمرور الوقت الى مشاكل جهوية تخص فقط سكان الحوض المنجمي او تطاوين.

وهو خطأ متعمّد ويرقى الى مرتبة الجريمة نفذته الحكومات المتعاقبة بكل اصرار وساعدتها على جريمة التقسيم والعنصرية هذه، حتى بعض المنظمات، وخصوصا الفروع الجهوية التي تجد نفسها في كل مرة مدفوعة بعنتريات غبية كي لا تخسر صورتها او سمعتها او حساباتها مع المتنفّذين في تلك المناطق، واذا بها تساير الغوغاء وتشدّ أزر المعتدين على الامن القومي، وتسيء الى الدولة والمجتمع والبلاد ومستقبل الاجيال، فقط من اجل ان لا يلومها أحد الغوغائيين ويقول أنها لم تقف مع الجماهير التي تطالب بحقها في ثروات منطقتها.

واليوم عندما يتحدث الطبوبي عن مسـألة الامن القومي فانه يتناسى ان الطبقة الحاكمة لا يعنيها اطلاقا ما يقوله، بل تعنيها فقط المحاصصة وعدد الحقائب التي يمكن ان يستحوذ عليها كل حزب في الحكومة الجديدة، وعدد الاصوات التي يمكن جمعها لإحراج خصم سياسي، أو لتسجيل نقاط على حسابه.

فالدولة، وللأسف بسلطاتها الثلاث، وحتى بأجهزتها واداراتها، فرّطت في الامن القومي متعمّدة، فأن تفتتح نشرات الاخبار بنبإ امضاء اتفاق بين الحكومة وأهالي الرديف او بين الحكومة وطارق الحداد، وتعتبره انجازا، فتلك هي قمة التراجيديا، حين تحول الدولة جزءا من مواطنيها الى خصوم أو جيران وتتفاوض معهم على مسألة تخص الامن القومي للبلاد كلها، وتخص مستقبل أجيال بأكملها، فذلك هو قمة الإمعان في تحطيم أساسات الدولة، وهو ايضا اعتداء متعمد على النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد، وستنجر عنه تفرقة ونعرات جهوية لن تنفع معها ثقافة وطنية ولا خطاب سياسي كاذب ولا شعارات فضفاضة.

واليوم حين يتحدث الامين العام عن الامن القومي كان عليه ان يسائل الطبقة السياسية اولا ما معنى أمن قومي، وهل فعلا يدرك الحاكمون أين تمتد حدود أمننا القومي ام أنهم يعرفون فقط قصر الضيافة وقصر باردو وقرطاج، وهل هناك وعي حقيقي بالخطر الذي بات يهدد البلاد، وبالتفكك والسقوط الذي يمكن ان تؤول اليه أم أن اتقان فن التلاعب السياسي وفن حبك المؤامرات الصغيرة والحسابات الضيقة ومنطق «شكون يشكّب على الاخر» هو قمّة المعرفة السياسية بالنسبة إلى هؤلاء؟؟؟