الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



على هامش مشاورات «دار الضيافة»

تونس تحتاج إلى الإنقاذ لا إلى المحاصصة


بقلم: محمد بوعود

في البداية كانت الصورة تقريبا شبه واضحة، وكان الجميع ينتظر بعد التكليف غير المتوقع الذي أتى به رئيس الجمهورية من خارج ترشيحات الاحزاب السياسية، وبعد ان وصلت الامور الى طريق مسدود سواء مع حكومة الفخفاخ التي سقطت، أو مع الكتل البرلمانية التي لم تجد طريقا للتقارب وللخروج من أزمة الثقة التي تعيشها منذ أشهر والتي أثرت على كامل المسار السياسي وعطّلت تقريبا دواليب الدولة بأكملها، كان منتظرا اذن أن ينتهج السيد هشام المشيشي طريقا مختصرة، حكومة انقاذ وطني مصغّرة من كفاءات حزبية وتكنوقراط، ولا تتجاوز الخمس عشرة حقيبة، تنكب مباشرة على اصلاح الاوضاع وترميم ما يمكن ترميمه من الاقتصاد الذي وصل الى حافة الانهيار، ومن الوضع الاجتماعي الذي وصل الى حافة الانفجار.

 

بل ذهب البعض الى ان المشيشي سيعلن الحكومة فورا وقد يكون متفقا حولها مع رئيس الجمهورية، وسيذهب بها الى البرلمان في غضون الايام الثلاثة الاولى كي يكسب الوقت، وكي يشرع في الانقاذ.

كان المتابعون ينتظرون خطوة جريئة من هذا القبيل تعيد للسلطة هيبتها وللحكومة صفتها كسلطة تنفيذية أولى ورئيسية في النظام السياسي الحالي، وأن يضعها أمام البرلمان للتزكية، فإما ان تنال الثقة او فلتتحمل الكتل البرلمانية عبء الذهاب الى أقصى وأقسى الخيارات، الى حل البرلمان والذهاب الى انتخابات سابقة لأوانها، وهو عبء لا يمكن لطرف تحمّله ولا تحمّل تبعاته.

لكن كل هذه التوقعات سقطت على ما يبدو في الماء، لان السيد المشيشي اختار نفس المسلك الذي ذهب فيه الحبيب الجملي ووقع في أوله، ومشى فيه الفخفاخ وسقط في منتصفه، ويبدو انه مصرّ على المضي فيه أيضا وربما السقوط في آخره، لان المنطق يقول ان الطريق الخاطئة لا يمكن ان تؤدي الا الى السقوط، فلماذا أصر المشيشي على المشي في نفس هذا الدرب وهو يعرف ان مصيره لن يختلف عن سابقيه؟

التوقعات تقول ان الرجل لم يرد ان يهرب من المسار الديمقراطي الطبيعي الذي يفترض النقاش مع الاحزاب، والبعض الاخر رأى في سلوكه هذا محاولة لكسب ودّ الكتل البرلمانية كي لا تزكيه حين يقدم حكومته ثم تسحب منه الثقة او تسقط حكومته بلائحة لوم بعد بضعة اسابيع فقط، اي انه يريد ان يطمئن على مصير حكومته حتى قبل ان يشكلها وقبل ان تظهر ملامحها وقبل ان يضع برنامجا لعملها.

وهذا السلوك السياسي ايضا مصيره الفشل، لان الكتل البرلمانية غير «مضمونة» في المحصّلة وقابلة لإعطاء الوعود والتطمينات ثم التراجع فيها والانقلاب عليها، وهو يعرف ذلك جيدا ويراه مباشرة يوميا على شاشة التلفزة ويقرؤه في تقاريره كل ساعة، خاصة وانه مازال يمسك بمقاليد الوزارة الامنية التي تعرف كل شيء.

وهو سلوك سياسي ذهب به بعيدا الى نفس المسارات الفاشلة، والتي تبعد مباشرة المكلف والرئيس جانبا، وتضع الاحزاب السياسية في واجهة التشكيل والبناء، فيبدأ النزاع الصامت بينها على تقاسم الحصص والحقائب، ونعود الى نفس الدائرة المغلقة التي لا تؤدي الا الى الفشل، وهو امر ثابت الان في تجربتين مازالتا ماثلتين في الذاكرة، تجربة حكومة الجمليوالفخفاخ.

ونتيجة هذا السلوك السياسي لا يمكن الا ان تؤدي أيضا الى اطالة أمد المشاورات في الوقت الذي لا تتحمل فيه البلاد مزيدا من ضياع الوقت، وستؤدي ايضا الى خلافات الاحزاب والقوى والتيارات والكتل حول هيكلة الحكومة والوزارات والحصص، في الوقت الذي لا تتحمل فيه البلاد ضياع المزيد من الجهد.

ولكل هذه الاسباب والنتائج الظاهرة والتي سنذهب اليها ان بقينا في نفس السلوك السياسي والمسلك التشاوري، فان المطلوب اليوم تونسيا، شعبيا ونخبويا ومنظماتيا، هو اختصار الطريق على الجميع، والذهاب الى حكومة انقاذ وطني، طالما ان تجربة الحكومة الحزبية القائمة على المحاصصة قد فشلت مرتين في ظرف ستة اشهر فقط. فتونس تحتاج الى حكومة انقاذ ولا تحتاج الى حكومة محاصصة، والشعب ينتظر من ينهض بأوضاعه قليلا ولا ينتظر ان يأخذ الحزب الفلاني أكثر مقاعد من الحزب الاخر، والبلاد لم تعد تتحمل مزيدا من ضياع الوقت والجهد، لان القادم ان فشلت هذه الحكومة ايضا، سيكون متاهة كبيرة غامضة ومخيفة، ومن الصعب جدا الخروج منها.