الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



تجارب مقارنة في الشرق والغرب أظهرت فشلها...

وصفة «التطهير» مستفزّة، مُكلفة ونتائجها عكسية!


بقلم: مراد علالة

تونس ليست في أفضل أحوالها.. تونس تبحث عن طوق نجاة.. تونس وفق البعض تحتاج الى «التطهير».. تونس حسب البعض الآخر تحتاج إلى مشروع وطني وإلى أبنائها المخلصين.. هذه حقيقة لا يختلف حولها اثنان، لا يختلف حولها من هو في الحكم أو كان فيه وخرج منه، وكذلك من لم يتحمّل أعباءه ولو لبرهة من الزمن.. الجميع يقرّ بوجود أزمة شاملة، مركّبة، خطيرة وغير مسبوقة لدرجة عاد فيها حنين البعض إلى ما قبل ملحمة 14 جانفي 2011 غير المكتملة وهو أمر طبيعي إذا نظرنا إلى المسألة من زاوية الأرقام والإحصائيات والمؤشرات الموضوعية و«الآفاق» الراهنة.

 

في هذا السياق، عديدة هي الهيئات والمؤسسات الوطنية والإقليمية والدولية التي رصدت بكل دقّة بلوغ بلادنا منطقة الخطر واجتياز كل المنبّهات والخطوط الحمر، وإذا استمر الحال على ما هو عليه وبقينا سلبيين أو جنحنا إلى وصفات خاطئة فإن القادم أخطر وأسوأ بكثير.

وطبيعي في هكذا سياق، أن يكون وقف النزيف أوّلا والإنقاذ بعد ذلك ووضع البرنامج الوطني أو المشروع الوطني المناسب لبناء تونس الجديدة، قائما على أسس سليمة واقعية وعلمية في نفس الوقت، ورؤية عميقة واستشرافية تأخذ بعين الاعتبار عناصر القوة في الداخل والخارج والمخاطر والعوائق المتصلة بهذين البعدين بطبيعة الحال.

أين نحن من هذه المقاربة ونحن نعيش في ظل التدابير الاستثنائية من جهة ومن جهة ثانية نجهل حقيقة أو على الأقل الخطوط الكبرى والجدول الزمني لبرنامج السلطة / برنامج رئيس الجمهورية قيس سعيد الذي خلق أمرا واقعا جديدا بعد 25 جويلية 2021 جعلنا نتحدّث عن إعادة النظر ليس فقط في العقد الأخير الذي حكم فيه الإسلام السياسي وإنما عقود حكم حزب الدستور في حقبتي الراحلين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي؟.

لن نعود إلى شرعية الرجل ومشروعيته فالانتخابات واستطلاعات الرأي والمزاج الشعبي لصالحه، ولا إلى خصاله الايجابية ونواياه الطيبة التي يعلمها القاصي والداني، لكننا نتحدث عن الحكم وعن إدارة الدولة وخطاب رجالها وهي ترزح تحت كلكل أزمة عميقة وشائكة كما أسلفنا.

لن نتوقف عند خطاب الرئيس وقاموسه الحربي والديني ولجوئه إلى التراث العربي والإسلامي والى الاستعارة والتشبيه والكناية ولا حتى أحكامه الإطلاقية بخصوص المواطنين وتقسيمهم، وهو في تقديرنا خيار اتصالي مثير للجدل، لكننا نتوقف بعد هذا التمهيد المطوّل عند فكرة جوهرية تختزلها عبارة «التطهير» التي تتكرر على لسان الرئيس – هي بدورها مثيرة للجدل ـ وهي ليست ابتكارا حصريا لتونس بما أنها وصفة جُرّبت في عديد الدول، في اوروبا الشرقية تسعينات القرن الماضي بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وخلال العشرية المنقضية أيضا عندما قامت ما سُميت بـ«ثورات الربيع العربي» في أكثر من بلد عربي.

من لا يريد وقف النزيف والإصلاح والإنقاذ؟ لا نخال أن تونسيا نهل من هوائها ولمس تربتها ورفع رايتها وتربّى في مدرستها العمومية وتتداوى في مستشفياتها العمومية وامتطى نقلها العمومي وعمل ـ بشكل أو بآخر ـ في مؤسساتها العامة والخاصة يمكن أن يتأخر في الذود عن تونس إلا من استثنى نفسه وكان له ولاء آخر.

اليوم، تشخيص الواقع ضروري بنفس ضرورة صياغة الحلول لكن تقديم أحكام بهذه الصيغة الاطلاقية والتعميمية التي تمس القطاعات والأشخاص/المواطنين مربكة في تقديرنا من قبيل حديث رأس السلطة التنفيذية عن القضاء بهذا الشكل : «لا يمكن تطهير البلاد إلا بتطهير القضاء» أو الحديث عن الإدارة التونسية: «تعلمون للأسف أن الكثير من الإدارات تحوّلت إلى بؤر للتجسس.. حينما تمشي في أي رواق كأنك تسمع حفيف الأفاعي دون أن تراها.. فلابد من تطهيرها ولابد أن يعمل الجميع في كنف القانون لا أن يحولوها إلى مركز للمخابرات كما حصل في السنوات الماضية».. والذهاب في الأخير الى القول : «التونسيون سيطهّرون البلاد كما سيطهرون البيئة وستعود تونس إلى عافيتها بفضل إرادة الشعب»..

إن التطهير لغة هو إِزالة ما هو فاسد وملوَّث وهو أيضا كما جاء في بعض القواميس إِبادة الجراثيم والقضاء عليها، وإسقاط هذا المفهوم على البشر/المواطنين في النهاية ليس وجيها فالعقد الاجتماعي يُحدث آليات ومؤسسات وتشريعات وأعراف وسياسات عامة لعلاج الفساد والتلوث والفقر والأمية والاستغلال والتعذيب وغيرها من الظواهر والآفات الاجتماعية ومقاومة القائمين بها والمتسببين فيها بغاية الردع ورتق الجرح وشفائه أولا وفي مرحلة ثانية تحصين المجتمع من إعادة انتاج هذه العاهات.

والتطهير اصطلاحا وسياسة كما أسلفنا وصفة جُربت فخابت، لم تفعل سوى تقسيم المجتمع وتوسيع دائرة التشفي وترذيل القطاعات المهنية والإدارات والجهات والأجيال والفئات الاجتماعية وغيرها وإعطاء الشرعية والمشروعية لمن خلنا أننا بصدد تطهير المجتمع منهم للعودة وبقوة إلى السلطة وهو ما نراه في عدد من دول أوروبا الشرقية وحتى الدول الافريقية دون ان ننسى الصفحات الدامية في التجربة العراقية على سبيل المثال أين وقع استعمال مقولة «الاجتثاث» وهي مقولة كانت ايضا محور نقاش حاد في تونس بعد 2011 وارتبطت بمقولة الإقصاء حينها والنتيجة أننا اليوم نسجل عودة من كان عرضة لسهام «الإقصاء والاجتثاث والتطهير» من الباب الخلفي للثورة كما يقال.

إننا بحاجة إلى إرساء دولة الحق والقانون، دولة المواطنة التي لا يمكن إلا أن تكون ديمقراطية اجتماعية يصعب فيها أن ينمو الفساد وينتعش الاستغلال ويزدهر الاحتكار والتهريب والإرهاب واللاتوازن الجهوي وغيرها من الآفات التي نخرت وما تزال البلاد وتقف حجرة عثرة أمام إرادة الشباب الحقيقية وتهدد مستقبل الأجيال القادمة.