الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



«ثوّار ليل» غامضون :

من هم؟ وما هي مآربهم؟


بقلم: منيرة رزقي

حراك ليليّ مستراب، لعلها العبارة الأكثر موضوعية في وصف أحداث الشغب التي عرفتها بعض أحياء العاصمة والتي بلغت ذروتها في الليلتين الفاصلتين بين السبت والأحد ثم بين الأحد والاثنين .

والتظاهر لا يمكن أن يكون تحت جنح الظلام كما أن الاحتجاج والمطالبة بالحقوق وهو أمر مشروع لا يمكن أن يكون صاحبه متسربلا بالظلام ولابد لمن يعلن مطالبه أن يكون بوجه مكشوف وبصوت عال.

 

أما هذه التحركات الليلية التخريبية فلا يمكن سوى إدانتها وهي أفعال إجرامية يدينها القانون والعرف والأخلاق. وهي خرق صارخ لحظر التجوال وللحجر الصحي الشامل أيضا.

ولكن دعونا نحاول تفكيكها ومحاولة تفسيرها وليس تبريرها طبعا ...؟؟؟

إذن نحن أمام تعبيرة اجتماعية عنيفة واللافت أن غالبية القائمين بها هم من الأطفال، وفق التحريات الأولية على الأقل، حتى إن سمعنا في بعض الفيديوهات بعض رجال الأمن يخاطبونهم كأنهم يخاطبون أطفالهم ويدعونهم إلى العودة إلى بيوتهم ومحاولين تذكيرهم بأن هذه بلادهم ولا ينبغي تدميرها.

وهذه التحركات الليلية المتجاوزة للقانون تهدد امن البلاد واستقرارها ومن شأنها أن تنهك المؤسسة الأمنية وهي قطعا ليست عفوية نظرا لتزامنها وعنفها وتواترها. وبالنظر إلى التعفن الذي بلغه المشهد السياسي فمن الأكيد أن هناك أطرافا تهمها زعزعة الاستقرار الهش في بلادنا وتقويض مقومات الدولة المترنحة تحت وطأة الفساد والارتباك العام وفشل الفاعلين السياسيين إلى جانب تفشي الوباء.

ومن الواضح أن هذه الأطراف التي لا نعلمها حتى اللحظة وطالما لم تعلن السلطات الرسمية عن مرتكبي هذه الأفعال الإجرامية فإننا لا نفضل التخمين وإلقاء التهم جزافا على هذا الطرف أو ذاك دون أن ننفي استفادة البعض من هكذا وضعيات ، هي جماعات من المنحرفين الذين يدفع لهم مقابل القيام بالشغف والسلب والنهب وهم ذاتهم الذين يقومون بالبراكاجات في وضح النهار للاستيلاء على الأموال والهواتف الجوالة ومصوغ بعض النساء.

وهم ينفذون الآن السطو على الأملاك العامة والخاصة تحت جنح الظلام وقد أفادت التحريات الأولى أن البعض منهم ممن استفادوا من العفو الرئاسي بمناسبة 14 جانفي ولكنهم لم ينتظروا ولو قليلا للعودة إلى هوايتهم المفضلة للسرقة والنهب وهي معلومة في انتظار التأكيد.

وفي هذه الحالة لا يمكن أن نتحدث عن احتجاجات كما يحاول البعض الترويج لذلك فمن المعلوم أن المحتج يمارس حقه في وضح النهار وتكون له مطالب وشعارات واضحة ويتحرك في مسار وفضاء معلومين للجميع وعلى مرأى ومسمع من مؤسسات الدولة ولكن من يتسربل بالظلام ويواجه القوات الأمنية بالحجارة ويسطو على الأملاك العامة والخاصة لابد أن يوسم بالإجرام ويطبق عليه القانون.

والمهم في كل هذا أن ندرك أن هناك فئات من الشباب أصبحت قنابل موقوتة تنفجر في وجه الدولة والمجتمع وإذا علمنا أن هناك مليون طفل تسرّبوا من المدرسة في العقد الأخير وتلقفهم الشارع ليصنع من بعضهم منحرفين سقطوا في فخ المخدرات ومارسوا الإجرام، ومن البعض الآخر إرهابيين يسهل غسل أدمغتهم الفارغة بفكر متطرف واختارت فئة منهم «الحرقة» وهذه أقصى درجات الفشل الجماعي وفشل الثورة التي لم تتمكن من تحقيق منجز إصلاحي في المجالات الحيوية على غرار التعليم والصحة والشباب والتعليم العالي والبحث العلمي والتشغيل وغيرها.

ووجد جيل بأكمله نفسه ضحية الفراغ حيث لا دراسة ولا تشغيل ولا ظروف اجتماعية ملائمة لعيش كريم مع تدهور قيمي خطير كما ساهمت بعض وسائل الإعلام في جعل المجتمع يطبع مع الرداءة والتفاهة وغابت الرموز الثقافية والقدوة لجيل لا يعرف الكثير عن ثقافته وإرثه الحضاري، وانفتاحه عن الآخر يقتصر على ما هو استهلاكي.

وإذا أضفنا إلى كل هذه المعطيات الأزمة الاقتصادية الخانقة وارتفاع نسب المفقرين والمهمّشين فإن فئة كبيرة من الشباب وجدت نفسها بين مطرقة الفقر وسندان الانحراف. وإذا نظرنا إلى الهوة الكبيرة بين الفقراء والأغنياء وتنامي ظاهرة الحقد الطبقي فإننا يمكن أن نفسر ظاهرة العنف الموجه ضد بعض الممتلكات التي تمثل بالنسبة إليهم واجهة لأصحاب المال الذين باتوا أعداء في نظرهم للفقراء وساهموا في تأبيد فقرهم.

وتقول لنا سوسيولوجيا التوترات إن هذه الظواهر المدمرة للدول الحديثة ومخاطرها على المجتمعات يصعب التنبؤ بها ولابد من إصلاحات جذرية لمجابهتها ولا يكفي أن نعالجها معالجة أمنية.

وعلينا جميعا أن نقر ونعترف بأن غياب الأفق قد قاد إلى هذا الاحتقان الذي انفجر في شكل شغب ليلي في بلد بات حاضنة أساسية للعنف بشتى أشكاله وتمظهراته.

فهذه التحركات التخريبية الليلية ليست في حقيقة الأمر سوى ثأر من الدولة وانتقام من المجتمع ومخالب تنهش بتشفّ لحم من يتصورونهم لصوصا كبارا سمح لهم نفوذهم بنهب الدولة في وضح النهار وعلى مرأى ومسمع من الجميع. وعلى هذا الأساس تبدو هذه الأفعال الإجرامية نتاجا مباشرا وحتميا لفساد الدولة وضياع بوصلتها منذ عشر سنوات حيث كان الحصاد ما يقارب مليوني عاطل عن العمر من الذين تتراوح أعمارهم ما بين العشرين والخامسة والثلاثين سنة.

وهم لا يخفون نزعاتهم العدوانية والتدميرية التي نلمسها عن كثب في مواقع التواصل الاجتماعي وفي التعاليق على الأحداث لجيل منكوب لا يملك حلما مشتركا يمكن أن يجتمع عليه في سياقات اجتماعية فاقدة للقيم ولا تشجع سوى على البلطجة.

فما الذي يمكن أن يفعله شاب في مقتبل العمر لم يتلق تعليما أو تكوينا مهنيا مكتملا ولا شغل له يعيش في بيئة تفتقر إلى أدنى مقومات العيش الكريم وهو يراقب صعود طبقة من الأثرياء الذين بنوا إمبراطوريات مالية بالفساد والتجارة الموازية والتهريب ويرى بزوغ مجتمع استهلاكي بات فيه الحديث عن الماركات التي يرتديها الفرد أهم بكثير مما يمتلكه من رأسمال قيمي ومعرفي وأخلاقي.

ورغم التداعيات الخطيرة التي قد تنجر عن هذه الأحداث، فالغريب في كل هذا، انه لا أحد من الفاعلين السياسيين خاطب الناس أو تحدث إليهم حول هذه الأعمال التخريبية الليلية ولا أحد من الأحزاب السياسية أعلن موقفا صريحا مما يحدث فهناك صمت مريب يخيم على القصور الثلاثة سواء قرطاج أو القصبة أو باردو حيث اختارت الرئاسات الثلاثة أن تغيب عن هذا الحدث وتركت القوات الأمنية تواجه المخربين لوحدها دون موقف سياسي داعم. ورغم أن وزير الداخلية الحالي هو ذاته رئيس الحكومة وهذا أدعى إلى أن يخاطب الناس ويعلن عن مواقف «صارمة» في هذا الاتجاه إلا انه لا حياة لمن تنادي حتى كتابة هذه السطور.