الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



في الأحياء الشعبية المتاخمة للمدن التونسية على امتداد الجمهورية...

«محتّجون ليليون» بلا هويات وبلا شعارات مكشوفة... فما الذي يحدث...؟


بقلم:لطفي العربي السنوسي

يحاصر «الحقد» البلاد التونسية ويدفع بها الى نوع من الكراهية المتبادلة بين ابنائها ..حقد وتطاحن وعنف يأخذ أشكالا مختلفة ليتحول - في الأخير - الى تمرين يومي لرياضة يحبذّها التونسيون ويمارسونها صباحا مساء وفي الليل وقبل الحظر وبعد الحظر... ونحمد الله أنه يُمنع في تونس حمل السلاح الناري أو تداوله أو بيعه وإلاّ تحولنا الى شعب «قاتل ومقتول»... «عُزَّل» ولا أحد يسلم فماذا لو كانت بين أيدينا أسلحة وعتاد ناري...

 

يتلوّن «الحقد» على هذه الأرض بحسب طبيعة المكان والمقام فهو في التلفزات وعلى المنابر السياسية «هتك للأعراض» وفي الشوارع عنف حقيقي متبادل ونهب وسرقة و«براكاجات» وهو في البرلمان «سباب وشتيمة ودم» وهو بين الرئاسات الثلاث (أي نعم بين الرئاسات) قطيعة ونميمة وتحريض لهذا على ذاك وهو في «المجتمع المدني» مزايدات وتوترات وولاءات...

لقد فسد المزاج التونسي - حقيقة - ولم يعد يحتمل ثقل السنوات العشر الأخيرة وكل ارتداداتها المدمّرة... والتي تكلفت باهظا على التونسيين المصنفين «الأكثر كآبة» ضمن طابور الشعوب المنكوبة...

وكل ما يحدث اليوم من انتهاكات ومن عنف وحقد ومن فساد وظلم إنما هي ممرات إجبارية يرغم الناس عليها أو هم يندفعون اليها بعد انسداد كل الافق وبعد سقوط كل الاحلام وانهيار الانتظارات الكبرى فلا تغيير ولا تجديد ولا تطوير ولا آفاق جديدة ولا ثروات ولا تشغيل ولا رفاهية بحيث لم يعد بإمكان الناس (التونسيون) الاستمرار في العيش على نحو بائس ومحبط فيخرجون الى الشوارع للتعبير عن غضبهم وعن فساد مزاجهم وفي المقابل يهرب الحكّام من المواجهة وتفلت من بين أيديهم كل إمكانات السيطرة على كل أشكال الانفلات فيختبئون ويخيّرون الصمت الى ان تمرّ العاصفة.... وهو ما يحدث في هذه الايام والليالي التونسية الصعبة وقد انفجر الليل التونسي داخل الاحياء الشعبية مقابل اختفاء «الحكّام الثلاثة» وقد اختاروا الصمت الى حين... هذا ما يسمّى «لحظة الازمة الثورية» حيث الاستفاقة متأخرة من غيبوبة طويلة...

❉ ❉ ❉

اللغة هي أكثر «الكيانات الحيّة» القادرة على تزييف الحقائق وهي «الكائن الحيّ» الوحيد الذي يمكن توظيفه للكذب على الآخرين سواء كانوا خصوما أو أصدقاء أو جماهير اعتباطية وهي «الكائن الحيّ الوحيد» الذي تصدّقه الأغلبية بحسب طبيعة وموقع المصدر (الباث)... - هنا - توصيفات متعددة ومختلفة لما يحدث في «الليل التونسي البهيم» نوظف فيها «اللغة» للكذب أو لقول الحقيقة...وعلى القارئ أن يختار ولست مسؤولا على ما تُدلي به اللغة فقد تكذب وقد تصدق أحيانا...

- يمكن ان نقول - مثلا - ان ما يحدث في الليل التونسي من وقائع نهب وسرقة وخلع للمحال والمغازات مباشرة بعد التوقيت المحلّي لحظر التجوال هو «ثورة ثانية» نهضت لاستكمال الثورة الأولى... وان «ثوّار الليل» شرفاء وان مقاصدهم الليلية مقاصد ليلية نبيلة لتصحيح مسارات ثورية خاطئة وبالتالي علينا أو بالأحرى على باقي «ثوّار الثورة الاولى» ان يلتحقوا ب «ثوّار الثورة الثانية»... وهكذا...!

- يمكن - أيضا - ان نقول بأن ما يحدث ليلا في الاحياء الشعبية إنما هو غضب شعبي حادّ وعالي النبرة لم يعد يحتمل ثقل السنوات العشر ما بعد الثورة وما خلّفته من تشوهات على الجسد التونسي المتعب فأعلن عن نفسه بهذا الخروج الليلي احتجاجا على حكامه وعلى كل الذين خذلوه على امتداد العقد ما بعد الثورة... وهنا أيضا خروج لتصحيح المسار...

- ويمكن - أيضا - القول بأن حالة البؤس والاحباط والفقر و«الفقر في الوطن غربة» - كما يقول الامام علي - قد أفاض كأس الصبر فخرج الناس للانتقام من كل ما يعتبرونه رمزا يشير الى السلطة سواء كان مركزا أمنيا أو مغازة ما يفسّر عمليات السرقة والنهب والخلع للمحال التجارية...

- أيضا يمكن القول بأن الشباب الذي خرج ليلا واعتدى على الاملاك العامة والخاصة إنّما هو ذاك الشباب المتروك لمصائر غامضة ولم يتمكن من الهروب على زوارق الموت ولم يعد أمامه غير الحرقة أو العنف بافتكاك أملاك الاخرين بالقوة وهذه - في الواقع - فئة حاقدة لا على المجتمع التونسي فحسب وإنما على سياسييه وحكّامه وهو يرى في فسادهم مبررا يدفعه للنهب وللسرقة بدم بارد وضمير مرتاح لأفعاله...

وكما هو مبيّن فإن كل التوصيفات قد فقدت شحنتها ولم تعد قادرة على التعبير بدقة وصدق عمّا يحدث في الليل التونسي... فهو غضب اجتماعي أم احتجاجات أم مظاهرات.. هل هو «ثورة» أو بداية لذلك... هل هو مجرد اضطرابات واصطدامات مع الأمن... هل هو انفلات أمني وفوضى... هل هو عمليات نهب وسرقة ليلية مختبئة وراء عناوين ثورية...؟؟

هو كل هذا مجتمعا... غضب وشغب وحقد وكراهية واحتجاج وانفجار لم يعد يحتمل كمّ الاحباط والبؤس وقسوة الفقر والاحتياج... الخ من كل الأسباب التي تدفع البشر الى الانفجار في وجه البلاد وتحويلها الى بلاد غير آمنة ولا يمكن لها أن تكون ملاذا آمنا حتى لأبنائها...

وعليه فإننا لا نتردد في إدانة كل أحداث النهب والسرقة للممتلكات العامة والخاصة ولا نتردد ـ أيضا ـ في دعم واسناد «ضحايا» المسار الثوري الذي أنهك البلاد وأهلها وحوّل شبابها الى شباب متسوّل لا شيء أمامه غير الارتماء في بحار الموت أو الانحراف والعنف بعدما خذله السياسيون وزادوا من تعميق فقره وعطالته واحباطه وتلهّوا باقتسام غنائم السلطة على امتداد عشر سنوات ضمن ائتلافات نهب واحتكار لثروات البلاد ومصادرها ما أفرز ـ في الأخير ـ أقلية بيدها الثروة ومصادرها وأغلبية محبطة ومهمّشة ومفقرة... وهذا لوحده يستدعي اعادة هدم وبناء كاملة...

ما يحدث في الليل التونسي مدان في المستوى الأول المتعلّق بالنهب والسرقة لكن ـ أيضا ـ علينا أن نفهم وأن ننصت لغضب فئات تونسية شاسعة تهمّشت وتحولت لجسامة ما هي عليه من فقر فاحش الى فئات متروكة يقتلها شعورها بالغربة داخل بلدها هذا الذي نسميه وطنا... وما نستغربه حقيقة وما يدعو إلى الفزع والحيرة صمت القصور وعدم خروج حكامها لمخاطبة الناس وطمأنتهم وهم يعوّلون في كل هذا على القوّة الأمنية التي تم الدفع بها لانهاء هذا الغضب بالقوة العامة... ما سيزيد من تعميق الأزمة في حال الافراط في استعمال القوّة وسقوط ضحايا... ما لا نرجوه حقيقة.. في انتظار أحد الرؤساء وقد أطلّ علينا قيس سعيد مساء أمس من معتمدية المنيهلة ونبّه الشباب إلى ضرورة الحذر من الأطراف التي تسعى إلى توظيف قضايا الفقر والبطالة لتخريب الدولة وأنّ الشباب الثائر لم يكن يوما لصّا..!

نختم بالتأكيد على أننا ـ في العمق ـ لا يمكن أن ننتصر ـ مطلقا ـ لهذه الوقائع الليلية ولا يمكن أيضا إدانتها ـ مطلقا ـ لعدم وضوح «الرؤية الليلية» فالمحتجون لا يرفعون شعارات سياسية تفكّ شيفرة هوياتهم وتقدّم بالتالي مطالب واضحة بحيث لا يمكن ـ في الحالة الليلية ـ كشف المرجعية الايديولوجية أو السياسية للمحتجين ولا شيء يدل عليهم سواء من خلال شعارات شفوية أو مكتوبة على لافتات والقول بأنّهم «ثوّار غاضبون» أو مجرد «شباب محبط وبائس» هو بدوره قول ملتبس للتعمية ـ ربما ـ على حقيقة ما... ثمّ إنّ الخروج ليلا يعني الحرص على اخفاء الهوية الشخصية والهوية السياسية ـ ان كانت موجودة أصلا ـ واخفاء الهوية يدفعنا ـ بالضرورة ـ الى منطقة تشكيك وغموض قصوى خاصة مع اصرار وزارة الداخلية على التأكيد في بياناتها بأن المحتجين لا تتجاوز أعمارهم الـ15 سنة أيّ مغرّر بهم ـ في الأخير ـ ومدفوعون من طرف «قوى خفيّة»... وهذه ـ في الواقع ـ حجّة بالية ومهترئة لا تمتلك ـ في العمق ـ أجوبة حقيقية تفسّر ما يحدث في الليل التونسي البهيم جدّا...