الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



أوراق اللعبة السياسية لم تعد بين يديه..

الغنوشي يخْبِطُ خَبْطَ عَشْواء!


بقلم: مراد علالة

من استمع إلى الشيخ راشد الغنوشي يوم عرفة الموافق للخميس 30 جويلية 2020 أو فجر الخميس 4 جوان الماضي وخصوصا أولئك الذين لم يحسموا أمرهم وما زالوا يراهنون عليه بوصفه البدر الذي طلع عليهم، ويستمع اليه بشيء من التأني والعقل يوم الاربعاء 5 أوت الجاري بمناسبة حفل المعايدة الذي نظّمته حركة النهضة يستغرب حجم الفجوة في الخطاب وفي النبرة وفي الرسائل الموجهة للداخل النهضاوي والتونسي وللخارج ايضا.

في المحطتين الأولى والثانية، أي بعد جلسة المساءلة الاولى حول تجاوز الصلاحيات في علاقة بالدبلوماسية التي هي اختصاص حصري لرئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية، والجلسة الثانية التي كانت مخصصة لسحب الثقة من رئيس البرلمان على خلفية سوء ادارته كما قال أصحاب اللائحة، بدا راشد الغنوشي وديعا، ديمقراطيا، شكر خصومه أكثر مما نوه واعترف بدور الأتباع والحلفاء وأشاد بالتجربة التونسية وبوصفة التوافق والتشارك والمصالحة وأهمية استمرار نجاح تجربة الديمقراطية التونسية وأكد فوق كل ذلك أنه استخلص الدروس وسيأخذ العبرة من هذين الاختبارين العسيرين.

ما الذي تغير يوم 5 أوت في حفل المعايدة المتزامن مع تقدم مشاورات تشكيل الحكومة؟ هل عاد الدر الى معدنه كما يقال؟ ربما.. !

لقد عاد راشد الغنوشي الى القاموس القديم وتخلص لبعض الوقت من قاموس الاسلام الديمقراطي الذي يروج له ونستشف ذلك من مناداته لنائبه رئيس الحكومة السابق علي العريض بكل عفوية بـ»الشيخ علي» عند التذكير بخروج النهضة من الحكومة في 2013 وبقائها في الحكم آنذاك.

ليس ذلك فحسب، استحضر الشيخ راشد الغنوشي معارك الماضي وشغّل اسطوانة «الاستئصال» واختزل جلسة سحب الثقة منه في البرلمان في المعركة بين الحرية والاستبداد زاعما أن «البعض يعتقد أنّ الإسلامي مكانه السجن أو القبر أو الغربة». وصنّف التجمعيين الى صنفين، سكت عن المرضي عنهم ووشم البقية بالاستئصاليين.

ويعلم القاصي والداني أن جلسة سحب الثقة جاءت على خلفية توقيع 73 نائبا من مختلف الكتل والاحزاب والمستقلين (الشعب، التيار، الوطنية، الاصلاح..) وان توقيعات الدستوري الحر/التجمع وهي 16 كانت منفصلة وتكميلية والتمادي في الترويج لكون المعركة اليوم هي بين النهضة والتجمع حيلة لم تعد تنطلي على أحد وفيها ايضا اساءة لقوى سياسية بعينها واستهانة بذكاء التونسيين والمتابعين والأمرّ من ذلك في تقديرنا تذكيرنا بحقبة صراع عبثي على السلطة بين الاسلاميين وبن علي دفع الشعب التونسي فاتورته باهظا.

وتتالت في كلمة / خطبة الشيخ الرسائل للتونسيين في مرحلة أولى وفي مرحلة ثانية موازية لعدد من الدول الشقيقة في تأكيد صريح لحقيقة ان الجمع بين الصفتين أي رئاسة البرلمان التونسي ورئاسة حركة النهضة والتكلم باسمهما يخلق كثيرا من اللبس والأسلم في فك الارتباط في اقرب الآجال.

وتعكس الرسائل وخصوصا طريقة تقديمها حجم الارتباك وحتى الخوف الذي ينتاب الشيخ راشد الغنوشي - وعدد من المحيطين به - والذي يبدو أنه جر النهضة الى معارك لم تكن في حاجة اليها لانها تزخر بالتونسيين الذي يدركون أولويات البلاد ويفترض ان تسمح لهم الديمقراطية داخل التنظيم بالمساهمة في بناء الديمقراطية في البلاد وهو في راينا أكبر تحد أمام المؤتمر القادم للحركة.

الغنوشي ذهب بعيدا في املاء الشروط في علاقة بالحكومة القادمة واستعمل اسلوبا لا يرتضيه التونسيون وهو الترهيب والترغيب والقول أن عدم تشريك النهضة ينسف الاستقرار والديمقراطية واتهم من يدعو إلى ذلك بانه اقصائي ويخاف المنافسة لان الديمقراطية حسب رأيه تقتضي مشاركة النهضة وقلب تونس والحزب الثالث والرابع لا الحزب العاشر وخلص الى أن «هذا التفكير دليل على أن الديمقراطية في خطر».

ولم ينس الشيخ تحذيرنا في وضع عدم الاستقرار من وجود خطر انقطاع الماء والكهرباء عن المواطنين وعدم توفّر الأجور في ظلّ الازمة الاقتصادية والاجتماعية التي تمرّ بها البلاد وهو القائل ذات يوم ان من علامات قوة الدولة والادراة التونسية هو انك عندما تفتح الحنفية ينهمر الماء وعندما تضغط على الزر ينبلج الضوء فما المقصود بمثل هذه الايحاءات والتلميحات؟

رسالة أخرى لا تقل أهمية وهي التحذير من إلغاء وزارة الحكم المحلي في الحكومة القادمة لما يكتسيه هذا الملف بالذات من أهمية في استراتيجيات التمكين والانتشار في ربوع الوطن للتحكم في المركز.

ويظل أخطر ما في كلام راشد الغنوشي ما قاله في حق الاشقاء العرب والذي فرحت به وكالة الانباء التركية الاناضول وعنونت به احدى برقياتها «هناك دول عربية تقلقها الحرية والديمقراطية اللتان يتمتع بهما التونسيون».

والغريب ايضا ممن يتغنى بالحرية التساؤل عن سبب التغطية الإعلامية المكثفة لعدد من القنوات الخليجية لجلسة سحب الثقة منه في البرلمان وذهب الى حد التندر بالقول «خلال يوم عرفة رأينا عددا من القنوات التلفزيونية الخليجية تترك تغطية يوم عرفة بمكة المكرمة وتتجه الى تونس».

وأضاف وفق الوكالة التركية «لكن العرس الذي كانوا يعدّون له لم يتمّ...الذي يقلقهم هي الديمقراطية التي تعيش فيها تونس...لا يقلقهم شخص الغنوشي أو فلان الفلاني، بل الحرية».!

هذا خبط عشواء في تقديرنا ويبدو أن اوراق اللعبة السياسية لم تعد بين يدي الشيخ راشد الغنوشي وهو يدرك ذلك جيدا لذلك يكابر ويهرب الى الامام... لا أحد يريد ولا أحد يستطيع حتى وإن اراد ان يستأصل أحدا في تونس اليوم التي يرقبها العالم ويتابعها الاعلام الوطني بامتياز رغم بعض الهنات، وكذلك الاعلام الاجنبي في مشارق الارض ومغاربها، وفوق كل ذلك يحرسها شعب تواق للحرية وفيه ما يكفي من الكيانات السياسية والقوى المدنية الوطنية القادرة على تحصين البلاد وحماية تجربتها بقطع النظر إن تواجدت النهضة أو غيرها في الحكومة القادمة أو ظلت في الحكم فقط وهو في حد ذاته رهان وكسب ديمقراطي.