الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



تصاعد خطاب التخوين واتهامات بالعمالة والتآمر

متى تتحرك النيابة العمومية وتحسم الأمر؟


بقلم: محمد بوعود

في تطوّر خطير، وينبئ بمزيد من التشنج والتعفن في الوضع السياسي الذي تعيشه البلاد، تعالت بشكل غير مسبوق لغة الاتهامات والتخوين الصادرة عن قيادات الصف الاول من حركة النهضة تجاه كل من يخالفها الرأي او حتى يوجه مجرد انتقاد بسيط لأدائها او توجهاتها، حتى ولو كان منها.

 

وقد تصاعدت حدة الخطاب التخويني الى أقصى مداياتها في الاشهر الاخيرة، وخاصة منذ أن بدأ الحصار يضيق حول الشيخ راشد الغنوشي في البرلمان وبات مهددا بسحب الثقة وانقلب عليه الكثير من حلفائه، فعاد مباشرة الى وصم كل خصومه بالخيانة وبأقصى درجات السبّ الوضيع الذي لا يمكن أن يصدر عن شخص في مكانته السياسية والفكرية وفي موضعه من الحكم.

الغنوشي قال في حفل المعايدة الذي نظمته حركته «رغم الداء والأعداء والتلفازات نجحت الديمقراطية في تونس ونحن في بلادنا ندير الاختلاف بالكلام حتى وان كان جارحا أحيانا ولا نديرها بالقتل والذبح كغيرنا»، متابعا «من لعبوا معنا خسروا وسيخسرون دائما ولذا عيد النهضة هذه السنة عيدان لأنّ الحرية انتصرت في تونس على الديكتاتوريين والحاقدين والحانقين والمتربصين بها».

وهو يعرف جيدا أن الذين حاولوا سحب الثقة منه اعتقادا منهم انه لم يعد قادرا على ادارة البرلمان بالشكل المطلوب، هم بالأساس نواب من التيار الديمقراطي ومن حركة الشعب ومن تحيا تونس وحتى من داخل حركته، نواب يختلفون معه حول تسمية اثني عشر مستشارا خاصا حوله، أو في اتصالاته الهاتفية مع السراج او في زياراته السرية الى اردوغان ليلة سقوط الحكومة، لكنهم يتفقون معه في شعارات الثورة وفي الانتقال الديمقراطي وسبق ان حكم معهم وتوافق معهم على كثير من القرارات ومشاريع القوانين، بل كان الى حدود شهرين تقريبا يسميهم «الكتلة الثورية النظيفة في مواجهة كتلة الفاسدين»، لكن بمجرد ان اختلفوا معه حول التسيير، فانهم اصبحوا في نظره، ويقول عنهم علنا وأمام أنصاره ووسائل الاعلام «الديكتاتوريين والحاقدين والحانقين والمتربصين» بالديمقراطية التونسية، بدل ان يقول الخصوم او الفرقاء أو أولئك الذين لم نعد نتفق معهم في طرق التسيير اليومي للمجلس.

ويبدو أن عدوى التخوين ولوثة الاتهامات والسبّ والشتم ليست حكرا على الغنوشي في الحركة، فقد انتقلت الى كل قياديي الصف الاول، وخاصة مساعده ورئيس الكتلة الاستاذ نور الدين البحيري، الذي أصبح همّه الشاغل هو الامارات ومصر وأحيانا يضيف اليهم السعودية وأحيانا اخرى حفتر وحتى فرنسا ان لزم الامر، المهم ان كل من يقول للنهضة أخطأت أو للغنوشي أنك جانبت الصواب في موضوع حتى ولو كان بسيطا فهو عند البحيري خائن وعميل، وقبض أموالا من الامارات، وباع بلده وضميره وباع الثورة التونسية والديمقراطية التونسية وكل شيء للعدو، والعدو بالنسبة إليه هو الامارات بدرجة اولى والسيسي والسعودية ان استطاع اليها سبيلا.

وقد قال في آخر تصريحاته في برنامج «ميدي شو» ليوم الثلاثاء 4 أوت 2020 أنه يملك أدلة قاطعة تفيد بمحاولة محور عربي بث الفوضى في البلاد.

وتساءل في هذا الإطار عن سر اهتمام الإماراتيين والمصريين بالشأن التونسي ومساندتهم لحزب سياسي معيّن، على حد تعبيره، متابعا «وكأن مسألة سحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي أصبحت قضية مصرية وإماراتية..» والغريب في الامر أنه يقول بامتلاكه أدلة قاطعة تفيد بمحاولة هؤلاء بثّ الفوضى في البلاد، فلماذا لا يقدمها الى الجهات المعنية فتدعو الحكومة سفير الامارات أو سفيري الامارات ومصر الى وزارة الخارجية وتحتج لديهما على تصرف بلديهما المسيء لبلادنا وعن تآمرهما على بلد شقيق وعضو في الامم المتحدة وجامعة الدول العربية، فاذا اعترفا فانهما مجبران على الاعتذار باسم بلديهما وان أنكرا تمهلهما ثلاثة ايام للمغادرة وتسحب سفيرين من أبو ظبي والقاهرة. هكذا هو القانون الدولي والاعراف الديبلوماسية، فلماذا يتحفظ البحيري على الادلة لديه، ولماذا لا تفتح النيابة العمومية بحثا من تلقاء نفسها أمام هذا السيل من الاتهامات، خصوصا وهو يرد بشكل يومي على لسان الرجل الثاني في الحزب الاول ووزير العدل الاسبق ورئيس اكبر كتلة في البرلمان، وبالتالي هو اتهام رسمي بالخيانة والعمالة وقبض الاموال، موجه لزملائه في البرلمان، والسكوت عليه يعتبر مشاركة فيه، فهل ان النيابة العمومية عندما لا تتحرك وتأذن بفتح تحقيق تُعتبر مشاركة مع المتآمرين والخونة؟