الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ملفات



بين خيار سياسيّ صعب وخيار دستوري أصعب

جَمْرة المبادرة تَحْرق أحزاب الحُكْمِ..!



بقلم: خليل الرقيق

وثيقة «أولويّات» لم ترتق حسب تحاليل الخبراء الى مستوى البرنامج الحكومي الواضح... ثم ماذا؟ الرئيس يترك للأحزاب مهمة اختيار كيفية الانتقال من حكومة الحبيب الصيد الى «حكومة الوحدة الوطنية»!!!

بالمنطق السياسي، صار من المشروع القول بأن الرئاسة قد تنازلت عن «مبادرتها» بالكامل، وألقت بأحزاب الحكم بين خيارين كلاهما مرّ، الضغط السياسي على رئيس حكومة تبيّن أنه لن يقبل الخروج تحت الضغط، أو المسار الدستوري الذي سيجعل هذه الاحزاب في قمة الافتضاح، اذ سيكون بمثابة إعلان صريح عن فشل خيارها الذاتي والارادي...

وتستمرّ الأزمة في تونس بأوجهها المختلفة، ويتواصل السؤال الحارق: كيف لساسة بلاد تقف على مرمى خطري الارهاب والافلاس ان يتركوا المهمة الأهم، والأسمى وينخرطوا في مغامرة سياسيوية لا تفوح منها إلاّ الأغراض الغنائمية النجسة؟ كيف لحوار مبتور لم تشارك فيه المعارضة الفعلية أن يؤمن الوحدة الوطنية؟

لعلنا نستحضر هذه الأسئلة وغيرها حين نرى الرئاسة تفجّر بؤرة «التغيير الحكومي» ثم توكل أمره الى احزاب تبيّن بالمكشوف أن بعضها يعيش أزمة أخلاقية، وبعضها يضمر رغبة في الهيمنة السياسية، وبعضها الآخر فاقد تماما للوزن، وللبوصلة...

في البداية، ولوضع الإشكال في اطاره الصحيح، يجدر طرح السؤال التالي:

من أين جاء الحبيب الصيد، ومن أتى به الى رأس السلطة؟

لقد كان الرجل من الأصل اختيارا رئاسيا تحوّل بموجب الرمزية والتأثير الى اختيار ائتلافي مرّ عبر المسارات الدستورية الى التزكية النيابية شبه «السّاحقة»،،،

تمّ اختيار الحبيب الصيد على أساس انه رجل ادارة يتوافر على قسط معقول من الاستقلالية الحزبية، وعلى جانب كبير من الكفاءة يمكّنه من تنفيذ البرنامج السياسي الذي رسمته الأحزاب الحاكمة. واذا كان الأمر كذلك، فإن أي فشل او تعثر او نسق بطيء انما يحسب أساسا على هذه الاحزاب، سواء من ناحية خواء رصيدها الكفاءاتي من الزعامات السياسية المؤثرة، او من ناحية ضعف اسنادها وتوجيهها للخيارات الحكومية....

قَبِل الحبيب الصيد - وهذه مسؤوليته- أن يتحمل ادارة خزينة مفلسة(المعنى السياسي والمالي)، ثم حاول في حدود الامكانيات الشحيحة المتوفرة أن يذلل الصعوبات، فنجح الى حدّ معقول من الناحية الأمنية، وتعثر - كما هو متوقع قياسا للظرفية العامة - من الناحية الاقتصادية. أما من الناحية السياسية فإنه وقع داخل حقل مركب من الضغوطات، خاصة بعد أن وضعه انحلال وتلاشي الحزب الفائز(نداء تونس) على مرمى الابتزاز، اذ اصبح رهين الحقيقة القائمة على الميدان، وهي استئثار حركة النهضة الاسلامية بالنصيب الأوفر من الوزن النيابي والسياسي.

 

أولا: النداء يرحّل أزمته الى الحكومة

فات المتسابقين على نيل شرف القيادة في هياكل حزب النداء، أنهم خلال فترة التصفيات المنهجية لرموز الحزب، قد تركوا تونس سفينة بلا ربّان.. فاتهم أنه خلال الفترة التي قضوها في تعديل مزاج السيد حافظ قائد السبسي وتلبية رغباته الشخصية، حصلت أمور كثيرة في البلاد، ليس أقلها اضطرام أزمة اجتماعية خانقة، وتراكم فعاليات احتجاجية حول التشغيل والتنمية والقدرة الشرائية والخدمات الأساسية... وفي ذلك الوقت الذي التهى فيه الندائيون بالتطاحن الشخصي والولاءاتي، لم يكن أمام حكومة الصيد غير مواصلة طريق المفاوضات الصعبة مع المنظمات المهنية، وتأمين اتفاقات عسيرة مع الاطراف الاجتماعية خاصة في الجوانب ذات المفعول المالي... يعني هذا ان هياكل الدولة قد واصلت الاشتغال على الرغم من ترنح وتآكل الحزب الحاكم، وهذا في حدّ ذاته أمر ايجابي... لكن هنا بالتحديد ، يمكن الحديث عن منعرج اخلاقي جاء معاكسا لحقيقة الأمور، اذ حاول الحزب الفاشل والمترنح على وقع الأطماع والضغائن، ان يمسح فشل برنامجه وتمشياته واختياراته في ثوب الحكومة، وسرعان ما انطلقت حملة من شق حافظ قائد السبسي - الذي تحرّكه اياد معلومة - على شخص الحبيب الصيد، هدفها الأول والأساسي تحويل الأزمة الحزبية الخاصة الى أزمة وطنية عامة... وعوض مباشرة نقد ذاتي للمسار الحزبي الذي ألقى بخيرة رموز النداء خارج الهياكل، تم اختلاق أزمة حكومية، بل تم استدراج الرئاسة نفسها الى العمل خارج اختياراتها الأصلية، والتزاماتها المعنوية...

 

ثانيا: الرئيس يرحّل مبادرته الى أحزاب الحكم

منذ الاطلالة الاعلامية الأولى لمبادرة الرئيس خلال لقاء تلفزي، تبين أن الخطاب السياسي الموجه الى الرأي العام مشحون بالتناقضات ومكتنف بغموض المقاصد. كان الحديث مفعما بالثنائيات الضديّة من قبيل الثناء على خصال الشخص، والمطالبة في نفس الوقت بتغيير حكومته.

واذ لم يتشخصن الموضوع في الاطلالة الأولى، وظلت الخواتم مفتوحة (حكومة جديدة قد يرأسها الحبيب الصيد او غيره)، فإنه تحول فيما بعد من حديث اعلامي عابر الى مبادرة سياسية موثقة.

ووقع الرئيس مرة أخرى في «ورطة سياسية» مشابهة لتلك التي وقع فيها خلال مؤتمر سوسة لحركة نداء تونس، اذ اصبح من الظاهر ان وراء كل منعرج في مواقف الرئاسة توجد بصمات مصلحة لابن الرئيس. ورغم ما يمتلكه الباجي الأب من حسّ سياسي عميق، لم يتوصل الى إضفاء الاجماع الوطني المطلوب على مبادرته الخاصة، فالمنظمات الوطنية (اتحاد الشغل واتحاد الأعراف) قبلت أن تحاور شرط ان لا تشارك، وهذا يعني اعفاءها بالكامل من مسؤولية أي اخفاق، والمعارضة في ابرز تشكيلاتها وأقواها برلمانية لم تشارك أصلا في المشاورات. وفي غياب الجبهة الشعبية الطرف ذو المدلول الاحتجاجي القوي، لم يبق امام المبادرة سوى الاستنجاد بأحزاب الحكم، زائد أحزاب اخرى لا يرتقي حجمها النيابي - رغم أهميتها- الى مستوى احداث التوازن المطلوب، وهكذا ولدت المبادرة مبتورة ، وبعد حديث عمومي وسطحي عن الأولويات داخل وثيقة لم تحمل الجديد سوى حديث متعارف عن «الانقاذ الاقتصادي» و«التنمية الجهوية» لم يبق سوى المطب الجوهري، والمسلك الشائك أي اختيار رئيس حكومة جديدة، تلبية لرغبات خاصة، ذات شأن خاص بابن سيادة الرئيس وانصاره والقول بالشأن الخاص ستمتد مشروعيته من كون أبرز قيادات «النداء» قد بادروا بالدعوة الى دعم حكومة الصيد ونادوا بإبعاد حافظ قائد السبسي عن تسيير الحزب (أتينا على هذا الخبر مفصلا في اعداد سابقة من «الصحافة اليوم»)

وفي ردّ فعل لا يفتقر الى الحسّ التكتيكي حضر الرئيس تشريفاتيا ليزكي وثيقة الأولويات، لكنه ألقى بجمرة لاختيار وتفاصيل المسار الى الاحزاب المشاركة، وترك لها مهمة كيفية الانتقال من حكومة الحبيب الصيد الى «حكومة الوحدة الوطنية»، واذ يطرح السـؤال مرة أخرى حول جدوى «حكومة وحدة» لا تشارك فيها أهم المعارضات، فإن السؤال الأهم يتعلق بجبل من الاشكالات وربما الاستحالات سيحكم الاختيارات القادمة لأي حكومة جديدة.

ثالثا:  السياسي والدستوري مسلكان كلاهما مرّ

 بمنطق أبجديات السياسة، يبدو ان الاحزاب الحاكمة ستطعن نفسها في كلا الحالتين، فهي ان اتجهت الى المسلك السياسي أي دفع السيد الحبيب الصيد الى الاستقالة من منصبه، ستضرب بمصداقيتها عرض الحائط، اذ ستخل من جانب واحد بشروط العقد السياسي والمعنوي الذي يربطها بشخصية وطنية اوكلت اليها مهمة تنفيذ برنامج احزاب الحكم، هذا الى جانب ان الحبيب الصيد رفض في تصريحات سابقة فكرة الخروج والاستقالة تحت الضغط في اشارة الى ان المسار الوحيد المفضي الى تغيير الحكومة هو المسار الدستوري وفق مرحليته وشروطه المضبوطة ، واذا حصل وتم اقرار التمشي الدستوري فإنه سيكون في شكل طلب بسحب الثقة يكون ممضى من الأغلبية النيابية الحالية، وهذه مفارقة كبرى اذ ان هذه الأغلبية (نهضة ـ نداء ـ آفاق ـ وطني حرّ) ستسحب الثقة من نفسها ومن برنامجها، ومن خيارها الحكومي الأساس، قبل ان تسحبها من شخص الحبيب الصيد. ستبدو هذه الأحزاب كما لو كانت تتلو اقرارا عاما بالعجز والاخفاق وهي مسألة ذات ثمن مؤجل لكنه باهظ وليس اقلّه تبخر حظوظها في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وارتفاع بورصة المعارضة الراديكالية التي وقفت مبدئيا ضد تمشياتها السياسية الفاشلة.

 

متاهة البحث عن رئيس لكلّ الأذواق

 النداء يبحث عن رئيس حكومة يداوي جراح نكبته السياسية والنهضة تبحث عن رئيس حكومة يقيم اعتبارا لوزنها الانتخابي عند تشكيل الفريق الوزاري، افاق والوطني الحر يبحثان عن رئيس حكومة يمنحهما من المناصب ما يفوق تمثيليتهما السياسية الفعلية.  الأحزاب الاخرى المشاركة تريد مغالبة الوزن النيابي الضعيف بالتموقع السياسي الجيد... اي «عصفور نادر» هذا الذي سيلبي هذا الكمّ من الأمزجة والأذواق، وان فعل واهتم بذلك واستنزف فيه وقته وجهده فبأي رأس وعقل سيتفرغ لادارة شؤون الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وبأي قوة واقتدار سيدير ملف مكافحة الارهاب.

ان مشكلة تونس ليست في تغيير رأس السلطة من شخص الى آخر، بل في تحويل الطبقة السياسية نفسها من العجز وضيق الأفق والذاتية الفجة الى الفعل والديناميكية والنجاعة وهذا أمر يفتقر اليه للأسف الشديد نسيجنا الزعاماتي المهترئ ذلك الذي اجتهد ولم يصب في تفريغ الساحة التونسية من الكادر السياسي النوعي.. وهذا حديث اخر.