الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ملفات



إعادة توزيع الأوراق في الساحة السياسية التونسية

قيادات جديدة قد تخترق... الجدار المتكلّس


بقلم: خليل الرقيق

أعلن رئيس الحكومة السابق المهدي جمعة عن تأسيس مشروع جديد اسمه «تونس البدائل»، وتعمقت الاستشارات الإقليمية للمشروع الذي سيعلن محسن مرزوق قريبا عن تسميته الحزبية وبرنامجه العام، وواصل السيد منذر الزنايدي مساعيه لتكوين إطار سياسي أو جبهوي ذي قابلية للتموقع الفاعل داخل الساحة السياسية...

على طرف مقابل تمخض «حراك» المرزوقي عن وصفة فاشلة لم يهضمها حتى أهم مريديه في حزب المؤتمر، وتواصل تداعي الأوضاع في حركة نداء تونس ليبلغ نقطة النفق المظلم بعد أن هجرته القواعد، وانسلّت منه القيادات...

تبدو الساحة السياسية على وقع هذه المستجدات مقبلة على مرحلة إعادة توزيع الأوراق بما يشي ان مستقبل الاستحقاقات القادمة سيشهد تغييرا كبيرا في حجم الفاعلين السياسيين، وفي مجريات اللعبة وآليات اشتغالها...

في مونبليزير تجهد حركة النهضة لإعداد مؤتمر لا تتفجر فيه التصدعات المكبوتة، غير أن في الواقع مؤشرات قوية لكسر الصورة النمطية لهذا الحزب الاسلامي، وربما حشره في زاوية أخرى غير معزوفة «الطهرية» و«المظلومية»، ذلك أن تسييس «البر والتقوى» ما عاد ممكنا في فضاء تونس الجديدة...

أحداث تتوالى لتضع نقطة استفهام حول وجه المستقبل السياسي لتونس، ولتكتب سطور النهاية في حكاية من لم يتعظ من دروس التاريخ...كل شيء ممكن...

كان ثمة أكثر من مؤشر على امتداد السنوات المنقضية لاهتراء النسيج التقليدي للعبة التموقع السياسي، ورغم أن الحزبين المتعاقدين على تأبيد هيمنة اليمين المحافظ قد جهدا لوأد ارادة التجاوز، فإن أشهرا قليلة كانت كافية لابلاغ «النهضة» و«نداء تونس» بأن مقومات تغيير وشيك تعتمل بقوة داخل عمق المشهد... لكن ما هي طبيعة هذا التغيير؟ وهل سيفضي بالفعل الى كسر النمط وزعزعة الثوابت التقليدية للعمل السياسي؟ ومن هم صناع الحدث؟ الأكيد أن من ضمنهم من يريد فعلا اعادة لعبة الترقم وفق الشروط التي تمليها طبيعة التحوّلات الديمقراطية وأن من ضمنهم أيضا من يريد تكرار نفس اللعبة بشكل مغاير..

وقبل الحديث عن الجديد، يجدر ان نمرّ اولا على معسكر القوى الافلة او المتصدعة، تلك التي رسمت بنفسها طريق التداعي الحرّ نحو النهاية.

لقد انتج نداء تونس من داخله المصل المضاد للعبة الوفاق المفتعل، فانبثق منه من يرفض قطعيا تسليم الحكم الى المنافس، واستحال في أيام معددوة الى شبح باهت لذلك الكيان العملاق الذي صال وجال في الاستحقاق الانتخابي لسنة 2014... أما حركة النهضة المستفيدة حسابيا من أزمة الشريك، فإنها قد تسيّجت أصلا بحرّاس المعبد، أولئك الذين رفضوا أي تعديل لجلدها الاخواني الأصلي، وبعد أن سقطت ورقة المنصف المرزوقي من بين أيديهم، ها هم يحاولون الانبثاث بقوة داخل تفاصيل مؤتمر الحركة القادم، حيث يقوم السيد عبد الحميد الجلاصي - الذي يشبهه البعض بالاخواني المصري خيرت الشاطر- بمساع حثيثة لاستعادة الخط السياسي التقليدي للحركة، مسنودا ببعض الهياكل الجهوية والقواعد المتشددة....

نأتي الان الى الطرف الثالث في معسكر حرّاس الماضي، ونعني به السيد المنصف المرزوقي الذي أسس وجوده السياسي على خليط مهجن بين السطح العلماني والعمق الاخواني...

لقد فقد في الآونة الأخيرة أبرز مريديه في «حزب المؤتمر»، وتضاءل حراك «شعب مواطنيه» الى حزب صغير لا يقوى على الحراك...

واذ تبدو حركة النهضة أقدر اطراف هذا المعسكر على مواصلة التنافس على مضمار الاستحقاقات القادمة، فإنها فقدت من الناحية السياسية أوراقا عديدة قد تحيلها في مستقبل الأعوام الى ظل باهت يستطيع بالكاد أن يترقم في اللعبة الجديدة مجرّدا من أنياب التغوّل والهيمنة... هذا طبعا بالنظر الى معطيات عديدة ليس أقلّها الهزيمة النكراء التي مني بها «الاسلام السياسي» في مخاض التحوّلات الديمقراطية، اضافة الى العزوف المتزايد للرأي العام والجسم الانتخابي عن اختيار قوى قاصرة عن تقديم الحلول الحقيقية للمشاكل التنموية.

لم يبق إذن إلا أن تبحث تونس عن أطر جديدة تتلاءم مع حجم رهاناتها المستقبلية، وهو ما يفسّر الآن وجود مبادرات مختلفة تتفاوت من حيث الحجم والنوعية.

منافسة مرتقبة بين مشروعي محسن مرزوق والمهدي جمعة

من الواضح أن ملامح لمنافسة قادمة بدأت تتبلور صلب الساحة السياسية خارج معسكر القوى التقليدية المتعارفة، فالملاحظ أن كلا السيدين محسن مرزوق والمهدي جمعة قد تحرّكا بآليات سياسية مبتكرة، الأول بالمبادرة الى تأسيس مشروع سياسي عبر مرحلية استشارية تنطلق من القاعدة الى القمة، والثاني بتكوين مركز للتفكير والدرسات يكون مقدمة أولية لترسيخ حزب سياسي.

والقول بوجود منافسة مستقبلية بين المشروعين، لا يعني عدم إمكانية تحالفهما أو تقاطعهما في نقاط مشتركة، بل يعني أساسيا أنهما سيكونان الوجهة المفضلة للاختيار داخل نطاقات واسعة من الناخبين الذين حسموا في مكوّنات السلطة الحالية وفي أحزابها.

إن التشابه بين الشخصيتين يكمن في انتمائهما الى جيل سياسي جديد قد يكسر يوما ما طوطم الزعيم الأوحد والقائد الحاكم بأمره، ويبرز أيضا في أن لكلاهما مشروعية الكفاءة في قيادة النصر الانتخابي لسنة 2014 بالنسبة إلى محسن مرزوق، ومشروعية القدرة على تجسيم خارطة طريق المرحلة الانتقالية بالنسبة الى مهدي جمعة.غير أن فروقات عديدة، وربما جوهرية تفصل بين الشخصيتين، بما يجعل كلا منهما على حدة ممثلا لكتلة انتخابية قائمة الذات.

إن السيد المهدي جمعة يقرأ من سيرته الذاتية التكنوقراطية أكثر من زاوية تاريخه السياسي، إذ لم تكن له تجارب تذكر قبل 14 جانفي 2011 غير تلك التي تحمل صبغة إدارية وهذا عنصر قد يستهوي جزءا من الرأي العام الباحث عن التخفف من الضغط الإيديولوجي والحزبي، غير أنه لن ينتج على الأرجح، شخصية بمهارات تكتيكية وتواصلية ذات قدرة استقطابية عالية. هذا الى جانب أن خطاب السيد مهدي جمعة لم يتضمن الى الآن جديدا على مستوى خرق السائد والمألوف، إذ يشتغل على نفس التوجهات العامة التي ميزت تجربته في الترويكا وبعدها، أي المنزع الاقتصادي المندمج بالكامل في منظومة العولمة واقتصاد السوق. وعلى خط متصل تبدو الإطلالة الأولى للرجل محملة بخطاب عاطفي معتاد  يحمل الكثير مما أسميناه في مستهل المقال بـ «تسييس البرّ والتقوى»، يقول مخاطبا الرأي العام التونسي بمناسبة إيداع مشروعه الجديد «أستودعكم الله الذي لا تضيع عنده الودائع لنلتقي مع بدائل لا بديل لها عن حبّ تونس»...

في الجهة المقابلة يبدو السيد محسن مرزوق معولا أكثر على مخزون تجربته السياسية والحقوقية، معتمدا على خطاب توليفي يصهر المرجعيات الوطنية المتعاقبة ضمن مشروع ينتصر للدولة الحديثة. ففي حديثه ضمن فعاليات الاستشارة الاقليمية للمشروع بصفاقس يوم 14 فيفري الجاري، ركز على خلق خط متصل بين خمسة أجيال: الجيل الإصلاحي الذي بدأ مشروع التنوير في القرن 19، والجيل الذي حرر البلاد من الاستعمار، والجيل الذي بنى دولة الاستقلال، والجيل الذي ناضل من أجل الحريات، والجيل الذي أوكلت له مهمة بناء الديمقراطية الجديدة. هذا يعني أن حزبه الجديد سيتجه الى نسيج مجتمعي متعدد المنابع ينهل من كل محطات التاريخ التونسي، لكنه يتجاوز تعثرات الماضي. هذا إضافة الى أن المشروع الجديد بدا قاطعا وحاسما من حيث المنطلقات الرافضة لأي خلط بين الدين والسياسة، بما يجعله الوجهة المفضلة للنخبة التونسية المستنيرة ذات التضاد الجوهري مع منظومة الإسلامي السياسي.

من سينجح في اختراق الخارطة المتكلسة؟

بناء على ما سبق، تبدو البلاد مقبلة على التعاطي مع مبادرات جديدة تحاول اختراق السطح المتكلس للخارطة السياسية المتداعية. وبشكل عام يمكن القول أن مرحلة ما بعد الشراكة التقليدية (نهضة ـ نداء) قد بدأت بالفعل، سواء من خلال المشاريع التي تتبلور تدريجيا، أو من خلال النقاشات الدائرة حول التموقعات المستقبلية لكبريات العائلات السياسية، من ذلك أن الدساترة يحاولون إعادة التشكل إما بمبادرات خاصة كما هو الحال بالنسبة إلى السيد  منذر  الزنايدي، وإما باندماجات مرتقبة في مشاريع أوسع يتجددون بموجبها وينصهرون ضمن مفردات اللعبة الديمقراطية الجديدة. وفي حين يتجه جزء كبير من اليسار العقلاني نحو التفاعل الإيجابي مع المشروع الجديد لمحسن مرزوق، يظل اليسار الراديكالي منكفئا داخل أطره المتعارفة في انتظار تطورات قد تأتي، وقد لا تأتي...

والأكيد في كل الأحوال أن من سينجح في اختراق الجدار المتكلس هو الذي سيبتكر خطابا ديناميكيا لا أثر فيه للجمود