الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ملفات



صمود سوريا يعيد توزيع الأوراق بين الروس والأمريكان ...

هذا ما فرضه «الدبّ» الروسي .. على «الكاوبوي» الأمريكي



بقلم: خليل الرقيق

 

 

لم يخطئ الخبراء العارفون بخبايا الشرق الأوسط في اعتقادهم منذ بداية «الفبركة الثورية» لأحداث سوريا أن هذا البلد سيكون المسمار الأخير في نعش ما أسمي على وجه الإيهام  بـ «الربيع العربي». ففي أقصى حالات الانبهار الشعبوي بالانتفاضات «الديمقراطية» كان ثمّة أكثر من معطى يؤكد وجود مخطط استعماري جهنمي يقف وراء ذلك الولع الأمريكي بتغيير رؤوس الحكم في البلدان العربية خاصة وأنّ طلائع «الزحف الديمقراطي» ما لبثت أن تركت المكان لفوضى السلاح، وأنّ هذا السلاح قد توزّع بشكل اعتباطي على أكثر تجار الدين صلفا ورجعية.

أخطأت أمريكا حين اعتقدت ان تحريك البيادق النظامية والحزبية والميليشيوية للإسلام السياسي كفيل لوحدهُ بجعل الشرق الأوسط ملعبا حصريا لمصالحها القومية، إذ سرعان ما انقلبت الطاولة لتضعها هي نفسها على مرمى اختراعها الداعشي ... وهكذا لم تجد واشنطن المفجوعة بفقدان البوصلة بدا من الدخول في شراكة قهرية مع أكثر الحلقات تهديدا لسطوتها المطلقة، وتحديدا محور موسكو ـ طهران، ذلك الذي وجد في دمشق ميدان سبق تاريخي لكسر شوكة الدواعش ...

حرب باردة على أنقاض ربيع مغشوش، ذلك هو العنوان الأنسب الذي يستجليه المتابع للدّب الروسي وهو يتحرّك جوا، وفوق أرض مسيّجة من الخارج بدعم الحرس الثوري الايراني ومقاتلي حزب الله، ومحصنة في الداخل بجيش نظامي صمد لأكثر من أربع سنوات في وجه أقوى حملة تكفيرية مسلحة.

عودة روسيا الى اللعب العسكري المكشوف، أعادت العالم كله الى ما قبل المرحلة الرخوة لـ «غلاسنوست» ميخائيل غورباتشوف والى ما قبل السقوط المدوي لجدار برلين، فهل هي انبعاث جديد للثنائية القطبية، أم   هي ترتيب لاتفاقية كبرى ببنود سرية لإعادة توزيع السيطرة الدولية على الموارد النفطية والطاقية بعد عجز الكاوبوي لأمريكي عن أن تحقق في الواقع، ما رسمه مخياله الهوليودي في السينما؟ ان نظرة لجملة ماركس الشهيرة «التاريخ لا يعيد نفسه الا في شكل مهزلة» تجعلنا في منأى عن النقل الحرفي البائس لوقائع الحرب الباردة القديمة اذ ان الصراع الحالي لم يعد محض لعبة كسر عظام بين معسكرين ايديولوجيين بل تحول الى منافسة دولية مفتوحة محورها المصالح الحيوية والاستراتيجية.

 لم يعد هناك جيش أحمر بالمعنى الاتحادي السوفياتي ولكن صار هناك جيش روسي بالمعنى القومي الخالص ورث عن السوفيات نفس الاليات الردعية القادرة على احداث توازن الرعب، وبالطبع نفس الجينات التوسعية التي تستنهض هذه القومية لتجميع ما تناثر من امتدادها الجغرافي وأحلافها العالمية.

بوتين: الاستثمار الذكي

 في الأخطاء الأمريكية

لم يكن الذكاء يعوز روسيا لتنظر بريبة وانشغال الى مجريات «ربيع عربي» تم ترتيبه داخل حيثيات شرق اوسطية مربكة، وضمن تحالفات كانت تشير منذ البداية الى مزاوجة هجينة بين الديمقراطية المصنعة امريكيا والأخونة الاسلاموية ذات القابلية التاريخية للاستتباع والولاء.

لقد كان موقع روسيا في ذلك الوقت وقبل ان تفصح اللعبة عن نهاياتها الكارثية، هو موقع الممانع الحذر الذي يراقب الاحداث ويجهد اساسا في تأمين اظهرته الشرق اوسطية الحليفة (سوريا وايران) عبر الدعم السياسي واللوجستي لكن ومع التساقط المتتابع للواجهة «الثورية الديمقراطية» في دول كليبيا ومصر وسوريا واليمن بدأت منافذ التدخل عبر الفعل المباشر تنفتح في وجه موسكو، تلك التي استفادت كثيرا من التفاف الحبل الداعشي على صناعه الأول سواء من تركه يتمدّد في غير اكتراث (الولايات المتحدة) او من تعهده بفتح ممرات الموت (تركيا)، او من احتضنه وموّله تحت عنوان «ربيع الجهاد» و«مقاومة الاستبداد» من الدول العربية.

لم تكن الأرض المعبدة التي فتحت الآن لروسيا ببوارجها وسلاحها الجوي، غير مختبر امريكي قديم فشلت تجاربه التطبيقية في امتحان الحقيقة، حقيقة أن يد الاسلام السياسي الممدودة للغرب ذات ملمس ناري جبل على العنف واستشرى في الارض حتى أصبح تماما خارج السيطرة.

ومن الواضح اليوم ان مجال التدخل العسكري الواسع لم يفتح لجيش الروس على وجه المنة او التنسيق الاخوي بل فتح قهريا بعد سقوط امريكا في فخاخ قاتلة عرف بوتين كيف يحولها الى أوراق سياسية رابحة:

ـ الفخ الأول هو سوء تقدير الولايات المتحدة وحلفائها في الغرب لحجم النظام السوري وقوته السياسية والعسكرية واعتقادها ان ضخ المقاتلين المسلمين عبر محور أنقرة.

ـ الدوحة كفيل بحسم المعركة  لصالح معارضة مختلقة غير قائمة على الأرض.. وهذا معطى تدركه روسيا حليفة نظام الأسد، بمثل ما تدرك  ان العمق الايراني واللبناني (حزب الله) هو عامل مساعد بقوة على رفد صمود النظام السوري.

- الفخ الثاني الذي سقطت فيه أمريكا، هو التهوين من شأن تمدد داعش لغاية كانت تعتقد انها برغماتية. وقد تسبب هذا في تضخم التيار التكفيري وتوسّع مساحة سيطرته الميدانية على مناطق في العراق والشام، حتى تحوّل الى تهديد فعلي للمصاح الأمريكية نفسها، وهذه نقطة قد جعلت من تدخل الروس عملية حائزة على دعم إقليمي واسع، لا فقط من حلفاء روسيا، بل حتى من الأنظمة المحسوبة سياسيا على محور واشنطن (النظام العراقي)...

- الفخ الثالث الذي سقطت فيه واشنطن، هو بامتياز الفخ المصري، حيث أثمرت مساندتها المشطة لاخوان مرسي حالة تعفن سياسي سرعان ما عالجها الطيف المصري بثورة مدنية - عسكرية. وهذا ما فتح لروسيا ايضا موطئ قدم مرموق في عمق شمال افريقيا عبر جسور تعاون مع القاهرة.

- الفخ الرابع، هو أن أمريكا جعلت من ليبيا أسوأ نموذج على الاطلاق لتغييراتها السياسية، حيث تسبب اطلاق أيادي الميليشيات الأصولية ودعمها بأسلحة الناتو في كارثة انسانية هي الأكثر تعبيرا عن الوحشية والدموية...

كل هذه الفخاخ، كانت بمثابة الأوراق التي شرعنت خروج موسكو من التحفظ المعتاد، ودخولها من جديد الى دائرة استعراض القوّة. انه استثمار ذكيّ لأخطاء المنافس، لكن هل سيكون في شكل عودة للترقم التقليدي كقطب مضاد، أم في شكل «شراكة رابحة» في اقتسام أشلاء شرق مريض؟

 أي وجه للشرق الأوسط

بعد التدخل الروسي؟

 بعد «الربيع الكاذب» الذي نشر الوبال في معظم البلدان التي طالتها قدماه صار من السهل تقييم الحصيلة الأمريكية: ليبيا مدمرة، يمن مقسّم، سوريا محروقة، وما الى ذلك من محن كبرى ليس أقلها وصول الفحيح الأصولي الى ابعد نقطة في باريس وكوبنهاغن... بعد كل هذا لم تجن الشعوب العربية غير وهم ذي كلفة بشرية باهظة، في حين ان أوان التسويات الكبرى بين القوى العظمى..

نحن الآن أمام قوتين على الميدان في الشرق الأوسط:

- قوة أمريكية تتصدر حلفا مع محور إسلامي سني غير منسجم، ومحكوم بتجاذب ثنائي بين قطب السعودية - الامارات، وقطب قطر - تركيا.

- قوة روسية تتصدر حلفا مع محور إسلامي - شيعي متناغم بصفة شبه كلية ، حيث لا توجد تقريبا قوة شيعية خارج قيادة طهران (بما في ذلك شيعة العراق الذين تحالفوا مع الولايات المتحدة في اطار تقاطع مصالح لاسقاط نظام صدام حسين). أضف الى ذلك امكانية دخول الصين على خط الحلف المشار اليه عبر استعدادها لخوض المعركة ضد الارهاب.

وفي الحقيقة هناك ملاحظة لابد من اعتبارها، وهي ان الحرب الباردة (التي تحتمها وضعية اللا غالب واللا مغلوب) ستكون خالية من الاعتبارات

الإيديولوجية التقليدية، لأن كلا من روسيا وأمريكا يبنيان تحالفاتهما بالأساس وفق معيار المصالح القومية، نفس المصالح التي ذهبت بواشنطن الى حد التعامل مع الإسلام السياسي السني، وبموسكو الى حد التفاعل مع الإسلام السياسي الشيعي.

ووفق هذا الواقع الميداني ستتحدد ولا شك جملة من التسويات التي يبدو أن أمريكا قد استبقتها (بمتابعة روسية) عند توقيع الاتفاق النووي الإيراني، والذي يهمس بعض الخبراء بأنه تضمن بنودا «غير مرئية» أو سرية تتعلق بإعادة ترتيب الوضع السياسي لمنطقة الشرق الأوسط.

ولعل ما تشهده إسرائيل اليوم من خوف وتوجس، وانجرار الى العنف في مواجهة احتجاجات فلسطينيي الضفة الغربية، يترجم جزئيا تلك التغييرات المرتقبة في الخارطة السياسية الشرق أوسطية، حيث أن فرضية بقاء  نظام الأسد، والتقارب الأمريكي ـ الروسي ـ الإيراني سينعكس وجوبا على القضية الفلسطينية، وعلى الجبهة اللبنانية، ناهيك أنه في ظل انقلاب الموازين الحالي، لن يعود بوسع أمريكا ضمان أمن إسرائيل على الشاكلة القديمة.

وهذا لا يعني وجود أرض ناعمة للتسويات المشار إليها، إذ ستوقظ الوضعية الحالية نعرات سنية شيعية بدأت بعد بالبروز عبر الإتهامات المتبادلة بين السعودية وإيران والواضح أن أكبر ملف شائك سيعترض القوتين الأكبر روسيا وأمريكا هو ملف الرياض ـ طهران إذ لا يمكن أن تعقد تسوية طويلة النفس دون معالجة الضغائن العالقة والمتراكمة بين هذين القطبين. عدا ذلك فإن من المنتظر أن تصاب محاور أخرى بالضمور والإنكسار خاصة من جهة قطر وتركيا الخاسرتين بموجب سقوط الورقة الإخوانية.

خلاصة القول أن وضعا جديدا على الميدان، أحال منظومة الربيع المغشوش الى التقاعد الوجوبي، وأشّر  للعبة جديدة بين  القوى العظمى، أفضل ما فيها أنها قد تؤشر لمعركة كونية ضد إرهاب الجماعات الأصولية، وأكثر ما فيها غموضا هو شكل الهيمنة الجديد على الشرق الأوسط.

الحروب لا تستطيع أن تكون باردة إلا على وجه المجاز لكن الشراكة بإمكانها أن تكون قهرية، وهذا ما فرضه الدب الروسي على الكاوبوي الأمريكي.