الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ملفات



تصدّعات في «هيئة الحقيقة والكرامة» وأشياء أخرى ...

هكذا سقطت الحقوق فـي فخّ السياسة



بعد نزيف الاستقالات، بدأ مسار الإقالات، وجاء خبر إعفاء السيد زهير مخلوف من عضوية «هيئة الحقيقة والكرامة» ليضع ألف سؤال حول مصير هذه الهيئة، وحول مدى تعبيرها فعلا عن روح العدالة الانتقالية ...
وزادت التدخلات الجانبية التي كان بطلها عدنان منصر من حدّة الإشكال، حيث تلقّفها بسرور كلّ من أشار الى وشائج سياسية تربط بين هيئة بن سدرين وبين حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية»، ليتعمق السؤال : ما سرّ الغياب الكلي للحياد عن هيئة ولدت دستوريا لتكون محايدة ؟ ما حقيقة تحوّل الحقوق والحريّات الى حقل مزاد علني، هذا ان لم نقل فساد مالي استنادا الى الرسالة التي بعث بها زهير مخلوف الى مجلس نواب الشعب ؟
ما سرّ تجند الهيئة للحرب السياسية ضدّ مشروع قانون المصالحة ان لم يكن تماهيا مع كتل ضغط حزبية ؟
ما حقيقة ما يروّج حول تجاوزات كبيرة في التصرّف المالي والإداري ؟ كلها أسئلة فجرتها استقالات سابقة، وأججتها الاقالة الأخيرة لنائب الرئيس، تلك التي يراها مخلوف مدبّرة وغير قانونية ...
على ايقاع رسالة زهير مخلوف، تواردت أخبار عن تقديم عضو الهيئة محمّد العيادي استقالته من مهامه، وعن مساع حثيثة لإثنائه عن قراره، باعتبار رمزية وجودة كقاض اداري صلب التركيبة، وباعتبار ما يمكن ان يخلفه انسحابه من انحدار لمصداقية هذه الهيئة التي لم تنقصها الاستقالات، ولا المشاكل. قبل العيادي كان خميس الشماري الشخصية ذات الثقل والاشعاع، ثم استقالت ليليا بوقرة، ثم عزوز الشوالي ونورة البرصالي ...
وبقطع النظر عمّا يستوجبه النصاب القانوني، وما تتيحه القوانين الداخلية من امكانيات لمواصلة النشاط، فانّ أسماء كبرى كهذه لا يمكن أن يمرّ انسحابها مرور الكرام، ولا بدّ منطقيا أن يوضع سؤال المصداقية على المحكّ.
لقد كان واضحا منذ وضع الأسس الأولى لهيئة الحقيقة والكرامة أنّ رائحة التسيّس والانحياز عابقة بقوة من ثنايا فريق تقوده شخصية كانت في الأصل خصما سياسيا للنظام السابق ولا يمكنها والحالة تلك أن تقوم في الآن ذاته بدور الحكم.
لكنّ رغبة التحالف الحاكم في ذلك الوقت، أبت الا أن تقفز باسم سهام بن سدرين (ذات الدور السياسي الكواليسي المعروف زمن تولي فرحات الراجحي لوزارة الداخلية) الى صدارة شأن حقوقي تاريخي ليستوجب بالأساس غياب النزعة الثأرية وتغليب مفهوم المصالحة الوطنية على ما سواه.
كان ثمّة احترازات كثيرة على شخصية بن سدرين رغم اعتراف الجميع بذاتيتها السياسية والحقوقية وتجربتها في مقاومة الاستبداد، ذلك انها كانت شخصية مثيرة للجدل، متشابكة العلاقات، كثيرة النزاعات سواء مع الوجوه السياسية أو مع الاعلاميين الذين عملوا معها في «راديو» كلمة، ثم أنها في النهاية كانت تختزن نقمة كبيرة على رموز النظام السابق، وهي بهذا المعنى غير مؤهلة للقيام بدور الحكم المحايد. كلّ هذه احترازات تكررت حال تولي بن سدرين لمنصبها، لكنّ الذي قفز بها اليوم من جديد الى واجهة الجدل، هو وجود عدد من الاحترازات والتذمرات في المطبخ الداخلي للهيئة، وتحديدا في أعلى مستوياتها القيادية ...
زهير مخلوف يطرق الزوايا المنسية
يمكن القول ان رسالة زهير مخلوف الى مجلس نواب الشعب هي من الأهمية والخطورة الى درجة لا يصحّ معها السكوت ولا الاستخفاف.
إنّها رسالة تتضمن احتجاجا على عمل الهيئة، واتهاما لرئيستها سهام بن سدرين، ولأعضاء آخرين بالفساد المالي والاداري. والجدير بالذكر ان هناك رسالتين سابقتين لرسالة 19 أوت 2015، الأولى كانت بتاريخ 12 افريل 2015، والثانية بتاريخ 23 جويلية 2015، وقد دعم المرسل آنذاك ملفّه بوثائق تشير الى حصول تجاوزات ...
إنّ الزوايا المنسية التي طرحها زهير مخلوف، ان تم التحقيق فيها واعطاؤها الأهمية اللازمة من طرف الأطر البرلمانية والقضائية، كفيلة أصلا بنسف الأساس الذي تم على ضوئه تأسيس الهيئة، اذ لو صحّت الاتهامات المذكورة بالرسالة، فانّه من المعيب أنّ تسند أيّ دولة مهمّة الحكم في قضايا فساد الى إطار تحوم حوله أصلا شبهات الفساد !! هذا بالطبع إن أفضت التحقيقات الى وجود تجاوزات ملموسة بالحجج والبراهين.
ولقد زاد التعامل السياسي مع رسالة مخلوف من تعاظم الشكوك، حول جسور علائقية معينة تربط رئيسة الهيئة بحزب قصووي كالمؤتمر، اذ تزامن اجراء الإقالة المتخذ في حق العضو زهير مخلوف، مع جملة أطلقها عدنان منصر على صفحته الافتراضية معتبرا فيها أن مخلوف صار «تفصيلا ينسى في زحمة الرداءة والخيانة والوشاية»!!
هنا يمكن القول أن رسالة مخلوف لم تكشف فقط عن مسائل تخصّ الكواليس المالية والادارية للهيئة، بل أسهمت أكثر في استدراج الحيثيات السياسوية التي تحيط بعمل الهيئة واخراجها الى حيّز الانكشاف.
إنّ التجنّد السياسي للدوائر المقربة من المنصف المرزوقي ضدّ زهير مخلوف، يشير في النهاية الى أمرين :
ـ تأكيد شبهة الفبركة السياسية لهيئة الحقيقة والكرامة من طرف رموز الحكم السابق.
ـ تأكيد وجود رئيسة الهيئة (المفترض ان تكون حيادية) ضمن مدار كتلة ضغط سياسي تمنعها منطقيا من انجاز مهمة العدالة الانتقالية على الوجه المطلوب.
لنفكر بقطع النظر عن دقة المعلومات وصحتها او خطئها، عسى أن نصل في النهاية الى تقييم موضوعي : إنّ الشبهة المالية مازالت حيز البحث والتدقيق وقد تصحّ فتنسف الهيئة أو تدرأ فتعيد اليها الاعتبار، لكنّ الشبهة السياسية هي المدار الفعلي للتساؤل عن الجدوى.
فأن يندفع مدير حملة انتخابية سابق كعدنان منصر في شتم عضو مقال من الهيئة الى حدّ ذكر عائلته بالقول «أمّا أبناؤك فكم أرثى لحالهم» ، فهذا يعني ان تركيبة الهيئة ورئيستها تحديدا هما خط أحمر لدى دائرة المنصف المرزوقي. ولعلّ هذا الاندفاع الأهوج الى منطقة التعريض بالأشخاص ليس جديدا على فريق الرئيس السابق ذي المأثرة البائسة المسماة بالكتاب الأسود، لكنّه في النهاية يقيم دليلا على رجاحة شكوك سابقة تقدمت بها بعض الشخصيات والتنظيمات السياسية حول مصداقية «هيئة الحقيقة والكرامة» المنبثقة أساسا عن لعبة كواليس أدارتها شخصيات الترويكا الآفلة. وإلاّ لماذا يتدخل شخص كعدنان منصر في مضمون رسالة لا تخصه أصلا، بل وجهت الى هيكل برلماني له أحقية النظر في صحة المعلومات الواردة ضمنها من خطئها ؟
بن سدرين بين مفترق الحقوق ...  ومتاهة السياسة ...
بقطع النظر عن أي اتهامات قد تصحّ وقد تبطل، ولا يمكن الحكم فيها الا لمن يملك الاختصاص النيابي أو القضائي، فإنّ النظر الى وضعية السيدة سهام بن سدرين يبدو غامضا الى أبعد الحدود، فهي تترأس هيئة ذات صلاحيات واسعة، موكول اليها النظر في مخلفات إرث عقود من المصادمات السياسية، والحكم فيها بما يفضي بعد المحاسبة الى المصالحة الشاملة.
وهذه الرئاسة يجب ان تجعلها منطقيا خارج كل تجاذب، وفوق كل نزاع.
هل الأمور كذلك في الواقع ؟
لم تمرّ السيدة بن سدرين من منعطف مرحلي الا أثارت فيه اشكالا، بدءا من الأشهر الأولى بعد 14 جانفي، والتساؤلات حول دورها السياسي في الكواليس، مرورا بمحاولتها نقل أرشيف الرئاسة الى مقر الهيئة، وصولا الى تهمة وجهت اليها مؤخرا رفقة المدون عزيز عمامي، وفتحت فيها النيابة العمومية بحثا تحقيقيا من اجل تهم تعلقت «بالتهديد الموجب لعقاب جنائي والتمجيد والاشادة بتنظيم ارهابي» وذلك طبق الفصل 31 من قانون الارهاب الجديد.
ومجال الحديث هنا ليس البحث في حقيقة التهم، بل التعمق في تقييم شخصية مثيرة للجدل، مشاركة بحكم مزاجها الذاتي والسياسي في العديد من «المعارك» والمشاكسات التي تحجب عنها آليا وضع الشخصية التي تحظى بالاجماع الوطني للقيام برسالة نبيلة كالعدالة الانتقالية.
انها توجد الان فيما يشبه الحلف السياسي ضد مشروع قانون المصالحة المالية والاقتصادية رغم أنه لا يمس بطبيعة مهام هيئتها، فكيف بها في النهاية ان تنخرط في مسار المصالحة الشاملة بعد النظر في الانتهاكات والتجاوزات السياسية القديمة ؟
عندما تعبق رائحة الميول الثأرية من اشخاص يجب ان يرتفعوا عن مفهوم الثأر، يحق لأي تونسي ان يطرح السؤال : لماذا الهيئة، ماذا تصنع ؟ لماذا كثرت حولها الرسائل المثيرة العابقة برائحة المال ؟ هل مازال بوسعها النشاط وقد غادرتها وجوه من الوزن الثقيل كخميس الشماري، وبعد أن أقالت أحد قيادييها البارزين في إجراء اعتبره باطلا وغير مستند الى نصاب قانوني ؟
الأيام القادمة كفيلة بالاجابة، ذلك ان كل ما يحيط بالهيئة في الداخل والخارج يوحي بتطورات ما قريبة جدا ...


اعداد: خليل الرقيق