الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ملفات



الاسلاميون ومقاومة الارهاب

مناورة معتادة.. أم مخاض جديد؟!



اعداد: خليل الرقيق
بأي طريقة يتسنى فهم الخلاف المعلن بل الصراع الحاد بين قيادات نهضاوية كراشد الغنوشي والحبيب اللوز؟ وبأي منطق يمكن تناول هذا الاحراج التاريخي لكتلة اسلامية نصفها الحاكم يدافع عن قانون مكافحة الارهاب ونصفها المتمرد يتقاطع فكريا مع أشد التنظيمات «الجهادية» خطورة»؟
هل هو المخاض الجديد لولادة حركة اسلامية «منفتحة» من رحم تيار ديني متشدد؟ هل هو محض تبادل أدوار حتمته اكراهات اللحظة السياسية؟ الأكيد ان اسلاميي تونس برمتهم يعيشون الان في وضع شديد الحساسية والضبابية لان من قبل منهم الانخراط في تصور مغاير للسلطة والدولة يكابد لعنة الماضي، ومن رفض منهم ذلك الانخراط يحاول جاهدا ان يمنع اي تغيير للمنطلق الفكري الأساس لعائلة «الاسلام السياسي». اكثر من مؤشر يوحي اليوم بجدل سياسي «صارخ» داخل بيت حركة النهضة وعموم التعبيرات الاسلامية فالتاريخ وضع كل هؤلاء امام لحظة حاسمة تخيرهم بين احد امرين الاندماج في نسيج دولة رفضوها في الماضي او الانعزال في زاوية مغلقة تخرجهم تماما من حسابات المستقبل.
لم يكن مستغربا ان يخرج القيادي النهضاوي الحبيب اللوز من واجب التخفظ و«الانضباط الخطي» ويحمل بقوة على حكومة الحبيب الصيد متهما اياها بضرب كل من له «منزع اسلامي» وباستغلال العمليات الارهابية لغلق المساجد وعزل الأئمة والمسؤولين القريبين من حركة النهضة انها مواقف تتناغم مع ما عرف به هذا القيادي من تواشج كبير مع اكثر التعبيرات الاسلاموية تطرفا لكنها تطرح ايضا أكثر من استفهام حول ما يجري في بيت حركة النهضة «الكتوم» والمتحفظ على نشر اسرار مطبخه الداخلي.
وفي الحقيقة لا يقرأ نموذج الخلاف الداخلي فقط من سطور الجدل المعلن بين جناحي «الاعتدال» و«التطرف» كما هو معتاد او مروج له بل يمكن ان نقرأ ذلك في شيء من التململ والارتباك الذي اصاب اشد المنضبطين لقيادة راشد الغنوشي كالنائب في البرلمان الصحبي عتيق الذي لم يخف انزعاجه من قرار غلق المساجد معتبرا اياه اجراء سيغذي الارهاب ويوسع من دائرة الغاضبين..
واذا أضفنا معطيات اخرى تجيش داخل المجلس النيابي منها امضاء 80 نائبا على عريضة طالبوا فيها رئيس الحكومة بعزل امام جامع اللخمي بصفاقس رضا الجوادي ـ غير البعيد عن مدار صقور النهضة ـ سينكشف امامنا حجم المشكل الداخلي الذي تعانيه حركة النهضة بما انها تعيش بالفعل ازدواجية هيكلية حادة فالموقع السياسي الحكومي فرض على الحركة عدم الزيغ عن سلة تفاهمات الغنوشي مع الحزب الأغلبي «نداء تونس» ومع الحكومة المنبثقة عنه والموقع الايديولوجي الأساس يفرض على نفس الحركة عدم المجازفة بضرب عناصرها العقائدية التي تجد راحة كبيرة في استحضار منبع التشدد والقصووية.
ورغم اشارة الغنوشي فيما يشبه «نقطة النظام» الى ان تصريحات الحبيب اللوز لا تمثل حركة النهضة فإن العارفين بميزان القوة الفعلي داخل الحركة يدركون ان المسألة تتجاوز بكثير طبيعة الأشخاص لتمس طبيعة «الماكينة» تلك التي قامت تاريخيا على تآلف قسري بين نواة قيادية مصغرة تستهويها المناورة السياسية وبين نواة عقائدية واسعة ذات حزام بشري كبير تعيش بعقلها وروحها داخل سقف «الدولة الدينية» ولا تود ان تغادره لأي سبب من الأسباب.
إن المنعرج الحالي في حياة الحركة هو في النهاية انعكاس لوضعها العام، داخل سياقات حتمت عليها العمل «تونسيا» وأجبرتها على التعاطي مع الهزيمة النكراء لظهيرها الاقليمي الاخواني غداة الايقاع بمحمد مرسي في 3 جويلية 2013. وهو منعرج دفعها الى التحول من موقع المدافع الشرس عن البقاء في السلطة (حكومة علي العريض) الى موقع المحاور «المرن» من أجل تمثيل نسبي داخل هذه السلطة.
ومن الطبيعي الان أن تظهر على سطح الحركة تباينات كانت من قبل تجيش في عمقها، البعض يعتقد انها «مخاض التحول التاريخي» من حركة عقائدية مغلقة الى حركة سياسية مرنة، والبعض الآخر يكاد يجزم استنادا الى قراءة تاريخية للحركة الاسلامية، ان المسألة لا تعدو ان تكون لمسة تكتيكية متعارفة هدفها الانحناء للعاصفة وانتظار القادم.
الفرضيتان على محك التأويل
إن لكلا التقييمين المذكورين مستندات مفهومة، فالفرضية الاولى (المخاض التاريخي) تقوم على اعتبار ان الضرورة تحتم على راشد الغنوشي تسوية وضعية حركته محليا، وادماجها وجوبيا في نسيج التصور التونسي للدولة، وذلك لادراكه ان النسخة المأخوذة للحركة الاسلامية قد ضربت في جذرها الصميمي، وأنها لن تستطيع الانبعاث من جديد وبنفس الشاكلة، وهذا يعني ان الوقت قد حان للتلبس بمفردات الدولة الحديثة اولا لدرء شبهة التقاطع مع «الاسلام السياسي  الجهادي» وثانيا لاحياء الامل في مواصلة النشاط الحزبي المفضي الى استعادة السلطة او المشاركة فيها ضمن تحالفات وائتلافات.
إن هذه الفرضية الاولى ترجح ميلاد حزب مدني من رحم حركة دينية، لكن هل بوسع اي تعبيرة مدنية عصرية ان تعايش جسما عقائديا مسيجا بالثوابت والقناعات الجامدة؟ ان المسألة ليست بالسهولة التي يروج لها، وهذا ما يفسر وقوع «الكتلة المنضبطة للغنوشي» نفسها في موجة ارتباك كلما نوقشت مسألة غلق المساجد الخارجة عن سيطرة الدولة او عزل الأئمة التكفيريين.
اما الفرضية الثانية، فتقوم على اعتبار ان الخطاب الجديد للحركة ينهض على مناورات مألوفة تتصف بمجاراة ومماهاة الامر الواقع، مع تبادل أدوار مدروس بين شقين، الاول يماهي السلطة ليتمتع بامتيازاتها ويتقي ضرباتها والثاني يماهي «التمرد» ليكون احتياطيا جماهيريا يوظف كلما طرأ طارئ او تغيرت موازين القوى. وليس من الصعب ان نلاحظ مثلا وجود سلوكين سياسيين متزامنين ومتضاربين داخل الحركة من قبيل وقوف قيادات مركزية ضد الحملات الهادفة لاسقاط الحكومة، ووقوف كوادر وقواعد لنفس الحركة في مقدمة الحركات الاحتجاجية التي تستهدف نفس الحكومة (أحداث الجنوب، حملة وينو البترول...).
من جهة أخرى تذهب الفرضية الثانية الى اعتبار وجود تضارب في أداء جملة من الشخصيات المؤثرة داخل الحركة، وتحولهم بسرعة من موقع «الصقر» الى موقع «الحمامة» ما يشير وجوبا الى المناورة والتكتيك وهو ما ينطبق على وضعيات قيادات كعلي العريض وعبد اللطيف المكي مرت من أقصى التشدد عند ممارسة الحكم، الى أقصى «الانفتاح» عند الخروج منه.
والحقيقة أن المعطى الكفيل بحسم صحة احدى الفرضيتين، لا يكمن في الجانب الوقائعي السياسي المتحول باستمرار، بل يتجدد وفق مدى استعداد حركة النهضة لتحيين قراءاتها ووثائقها التأسيسية، ان كانت مثلا على استعداد للتنصيص على رفض منطق «الدولة الدينية» والاعتراف بايجابية فصل الدين عن السياسة... وهي في الحقيقة مسائل صعبة التحقق اما لانغراس القيادات نفسها داخل تربة ايديولوجية ترفض التحيين، واما لعدم قدرة هؤلاء ـ وان أرادوا ذلك ـ على تغيير الصبغة الدينية التي شكلت تاريخيا المورد الاستقطابي الاول للاسلاميين.
الموقف من الارهاب... على المحك
لئن كانت شخصيات كالحبيب اللوز والصادق شورو وغيرهما، واضحة في حنينها النوستالجي الى المنبت السلفي للحركة الاسلامية، فان شخصيات اخرى على رأسها راشد الغنوشي تجهد الآن لاقناع الرأي العام ببعد الحركة عن أي مؤثر «سلفي جهادي» اما بمشاركتها النيابية المكثفة في مناقشة قانون مكافحة الارهاب، أو بدفاعها المستميت عن الاجراءات التي تتخذها الحكومة لمحاربة هذه الظاهرة. والواقع ان ارثا تاريخيا غير بعيد يبعثر أوراق الحركة في هذا الموضوع، رغم اعلانها خلال عهد علي العريض عن فك الارتباط بين «شيوخ الشرعية» و«شيوخ الشريعة» ابان أحداث السفارة الأمريكية.
إن وجود الحركة في نفس المدار الفكري الأصولي الذي صنع «أنصار الشريعة» هو عائق موضوعي امام احداث التمايز المفترض، وعليه فان انحسارها الآن في حيز التعاطي السياسي الاني وعدم مرورها الى مرحلة النقد الذاتي والمراجعة الشاملة، يمنعانها حاليا من النأي بنفسها عن الانتقادات اللاذعة.