الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ملفات



صيغـة متجـدّدة أم أزمـة متكــررة.؟

الحزب اليساري الكبير... أي معــنى... أي جــدوى؟


إعداد: خليل الرقيق

الموضوع يبدو مغريا بالنقاش، لان في كل جديد مساحة اخرى للحلم... لكن الجديد نفسه قد يفقد الحافز على التقدم اذا كان غارقا في تفاصيل ماضيه، حاملا ارتساماته المزمنة في وجوه فاعليه، وعقول منظريه... قد تغري كلمة «اليسار الكبير» كل مناضل سياسي عاش شتات المرحلة، وخبر عجزها المطبق عن انتاج الوحدة داخل الصراع... فاليسار الكبير، تحول الى ما يشبه الكلمة الحلم حين عجزت مفرداته عن التجسد في قلب اليقظة، فبأي معنى، وبأي جدوى تعود الفكرة؟
بأي معنى، هل باضافة رقم آخر الى ذات السجل الحافل بكثرة العناوين، أم بتجميع كل تلك العناوين ضمن اطار سياسي يعي التنوع ويستوعبه ويصنع به ومن خلاله لحظة الفعل التاريخي؟
بأي جدوى؟ هل نحتاج اليوم الى حزب خطي يجمع شتات اليسار ام الى حزب ديناميكي يجمع أطياف التقدميين بالمعنى الواسع والشامل؟
لقد فنيت هامات، وتعبت عقول في رحلة البحث عن يسار بروح تقدمية غير متكلسة، فهل يمثل الحديث اليوم عن حزب يساري كبير خطوة على هذا الدرب، أم هو مجرد استذكار واعادة استحضار لذات النسيج التنظيمي والزعاماتي الذي كان المسؤول الأول عن صناعة المتاهة؟
من المهم ان نطرح الفكرة التي تراود اليوم عددا من اطارات ونخب اليسار، داخل سياقها الواقعي لا الوقائعي، أي أن ننفذ الى عمقها الذي يتجاوز انفعالات اللحظة، ونطرحها مجردة من الشخصنة. فان اردنا لحظة لانبعاث الجديد حقيقية غير مختلفة ولا مفبركة، فلا بد من تجاوز ما يحف بها من تبسيط وتسطيح... هل هذا ممكن في أتون ما نعيشه من عدم وضوح في الرؤية والمشروع؟ ان فكرة الحزب اليساري  الكبير تسبح اليوم داخل حقل متناثر من الذرائع، لكنها لم تتحول الى الآن الى حقل منتج للمعنى المضاف، وحتى يتسنى ذلك لابد من تشخيص دقيق لعمق الازمة، واستشراف أدق لأفق التجاوز.
أولا: في مسوغات الفكرة وأساسها
هناك مشاورات بين ثلة من اليساريين المتوزعين على مساحة أطر سياسية مختلفة بعضها في المعارضة وبعضها في الحكم، وبعضها فرضت عليه «الاستقلالية» أو «الانتظارية»... وهذا أمر ايجابي اذا نظرنا اليه بمعنى إرادة التجاوز او الضرورة التاريخية. لكن اللافت للنظر ان محاولات النقاش هذه لم تنبن الى الآن على مقدمات بناءة توحي بصيغة جامعة وشاملة.
لنبدأ بالسؤال الأهم لبلورة هذه المقدمات: لماذا نحتاج الى «حزب يساري كبير» وليس الى أحزاب يسارية صغيرة؟
اذا كان الأجدى في هذا السياق هو استحضار عنصر التحول من كيانات منفعلة الى كيان فاعل، فان تقديم الفكرة وطرحها للنقاش يجب ان يرتقي الى مستوى قيمتها التاريخية، لكن المؤسف أنه نزل في واقع الحال الى درجة دنيا من الاختزال والتبسيط.
لنبحث قليلا في المسوغات المقدمة من بعث الأطياف فهناك مثلا من يلخص منطلق النقاش حول الحزب اليساري الكبير في صيغة تنفيذية لتحقيق حلم الشهيد شكري بلعيد، أحد كبار المتحمسين لتوحيد اليسار. هذا مقبول من الناحية الرمزية والاخلاقية التي تفرض الاعتراف بقيمة الرمز، لكن هل بوسع هذه الفكرة المشخصنة ان تكون صيغة مجمعة؟ ان قيمة شكري بلعيد تكمن في أنه تقاسم مع رفاقه ومجايليه حلما بصيغة الجمع لا رغبة بصيغة المفرد، لذلك فان تكريمه بتحويل الفكرة من الحلم الى الانجاز لن يتسنى باحياء الذات بل باستحضار الموضوع. ولعلنا لا نخطئ هنا حين نعتبر ان اكبر معضلات اليسار التونسي هي تغليب الفرديات الخطية على الضرورات الموضوعية.
إن تقديم الفكرة باسم احد عناوينها وان كان قيما ونوعيا، سينزع عنها بالضرورة صبغتها التوحيدية، كأن يحيل اسم شكري بلعيد من البداية الى «الوطد» كذات حزبية قائدة للمشروع، ووقتها ستصحو النزعة التجزيئية التي انغمس فيها اليسار طيلة تاريخه، وتستيقظ التناقضات البينية والثنائيات المتعارفة من قبيل (وطد / بوكت) (ستالينية / تروتسكية)، بل ستصحو داخل الوطد ذاته تباينات زعاماتية وحلقية، وتعود المسألة الى المربع الأول، الى صراع المنظومات القديمة البالية التي صنعت الشتات، وفاقمت الازمة. ان «حزب اليسار الكبير» يجب ان يتأسس على غير الصيغ التقليدية التي أفضت الى معضلة الذاتيات المتصارعة، والمركزية المشطة، والخطية المغالية في تصور «امتلاك الحقيقة» أي ان يتأسس بالضرورة على مسافة نقد ذاتي جارح لمقومات الفشل، وارادة جماعية لتغيير الأسس الفكرية والتنظيمية.
لنأت الآن الى مقدمة أخرى للنقاش حول مسألة الحزب الكبير اعتمدتها بعض الشخصيات والأطياف اليسارية، انها رؤية تعتمد على فرضية انتاج اطار يعوض الفراغ الذي لم تملأه الجبهة الشعبية على الرغم من توافرها على نسيج متعدد من مكونات اليسار الماركسي والعروبي.
هذه الفكرة لا تخلو مبدئيا من الأفق النقدي الجريء، لكن هل تملك واقعيا الأفق التجاوزي الخلاق. فان كان الحزب الجديد محض رقم مواز للجبهة الشعبية يقدم نفسه كبديل عنها، فانه في هذه الحالة سيزيد من حدة التنافس
(يسار يسار) وسيجزئ المجزأ عوض ان يوحد عناصره المختلفة.
ان نقد تجربة الجبهة الشعبية يبدو منطقيا وضروريا قياسا الى قصورها عن تركيز قطب سياسي نوعي ينافس فعلا على السلطة، لكن هل سيكون الحزب اليساري الكبير تطويرا لمنطلقاتها ومنهجها وسياساتها، ام فرعا مشتقا من مركزيتها المشطة، ونسيجها الزعاماتي المألوف؟ هل سيعمد الى عقلنة المعارضة السياسية وتفعيل دورها التاريخي، أم سيرتهن الى ذات النزعة الحركية المفرغة من المعنى البرنامجي؟ هل سيكون صيغة مرنة تتفاعل ايجابيا مع مستجدات الساحة ومع مكوناتها، ام صيغة ايديولوجية متكلسة تحارب الحقيقة، وتغذي الوهم؟ هذه أسئلة لا بد ان تطرح اولا على طاولة النقاش، حتى لا يغرق اليسار في متاهة تاريخية جديدة، وقبلها لا بد ان يطرح سؤالا مهما: هل يمكن ان نصنع الانتصار بفريق خاسر؟ هنا نأتي الى العنصر الثاني.
ثانيا: في مسألة الزعامة والزعيم

من المعيب ان يكون الانسان عبدا للنص وهو يرفض العبودية ومريدا للشيخ وهو يرفض من الأساس فكرة المشيخة... هذه مسألة يجدر التفكير فيها من الأساس، قبل خوض أي نقاش لتجديد الدماء في عروق اليسار التونسي. هل يعقل مثلا ان يقود التجربة التنظيمية الجديدة، من فشل لثلاثة عقود كاملة في تأمين موقع سياسي فاعل لليسار؟
اذا كان الحزب اليساري الكبير سيولد بنفس النسيج الزعاماتي المتداعي، فانه ببساطة لن يكون كبيرا، بل سيتحول على الارجح الى ظل باهت. ومن المهم كثيرا ان ينتبه الكادر السياسي النوعي الى ضرورة تحرير نفسه من اكراهات «الماكينة» حتى يكون جديرا بالانبعاث الجديد. ان الذين تأبدوا وتعتقوا في قيادة الأحزاب اليسارية لم يعد لديهم ما يضيفونه، لا من الناحية السياسية ولا من الناحية الفكرية. لقد حوّلوا احدى كبريات المدارس النضالية التونسية من منبع لانتاج التقدم، الى كتلة شعاراتية جامدة تسير وفق مقولة «الحركة كل شيء والهدف لا شيء»...
تاريخيا انتهى عصر الفرديات الطاغية، ولم يعد القرن الجديد بحاجة الى «زعيم ملهم» بل الى مؤسسات فاعلة. انك ترى اليوم بعض القيادات «المزمنة» تعيش داخل فضاء ذهني يردد صدى مقولات النصف الأول من القرن العشرين، والحال انه ليس مطلوبا الان اعادة بعث الكاريزمات اللينينية أو الستالينية او الماوية، بل المطلوب تحويل روح نصوصهم الثورية والتحررية الى مادة قابلة للاشتغال داخل الاستحقاق الديمقراطي للمرحلة الجديدة.
وهذا رهان تجاوزي صعب لا يتسنى اطلاق لمن اصقلتهم آلة «الانضباط الحديدي» وصاموا عن النقد والاستقراء والتحليل منذ سنوات خلت...
ثالثا: في العلاقة بين اليسار السياسي واليسار الثقافي
اذا كان حلم اليسار الكبير مشروعا وممكنا، فان تحققه يظل صعبا اذا لم يتم تجسير العلاقة بين رافديه المتلازمين أي السياسي والفكري والملاحظ في تونس ان بونا شاسعا أصبح يفصل اليسار السياسي بمعناه الحزبي الضيق، عن اليسار الثقافي بمعناه الفكري الواسع. ان جدارا عازلا صار قائما بين النخب الجامعية والفنية والحقوقية التي تشكل روح اليسار، وبين التعبيرات السياسية التي تمثل هذا اليسار في المشهد العام. فهناك تناقض رهيب بين عقل مبدع يؤثث المضمون التقدمي العقلاني للمشهد التونسي، ولا يشارك في الحياة السياسية، وبين عقل يمارس اللعبة السياسية دون ان يشارك في التفكير. وعلها معضلة المعضلات الراهنة تلك التي حكمت على اليسار بالفعل المبتور غير المستند الى أفق نظري واضح ولا الى تحيينات برنامجية ضرورية.
إنه من الجيد ان يكون لكتلة «العدالة الاجتماعية» حزب يساري يترجمها الى مشروع حكم، لكن من الصعب أن تنطلق هذه الكتلة من عقالها، وهي غارقة في الشعاراتية والسطحية والزعاماتية المفرطة.
وهنا لا بد من الانتباه الى أن الخطوة الأولى نحو حزب يساري كبير، هو تصالح اليسار مع طبيعته النقدية، ومثلما يحتاج المجتمع العربي الى «ثورة دينية» تجدد دماء منظومته الفقهية الجامدة، يحتاج اليسار العربي الى ثورة ثقافية تقوض موروثاته الولاءاتية النصية، وتؤسس مشروعا مغايرا يتماهى مع حاجة الانسان الأكيدة الى الحرية والديمقراطية.
يسار ديمقراطي، هذا ممكن  شرط الانفلات من الاكراه الايديولوجي، والتسلط الزعاماتي. فهل سيحمل مشروع «اليسار التونسي الكبير» بوادر التجديد الخلاق، أم سيراوح مكانه في نسخة متكررة لأزماته القديمة؟