الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ملفات



التعاطي السياسي مع المسيرة العالمية لمناهضة الارهاب

بين اختراق الاسلاميين ومقاطعة اليساريين!!



بقلم خليل الرقيق

اليوم تنطلق المسيرة العالمية لمناهضة الارهاب، وتنطلق معها صفحة جديدة اكثر وضوحا وأكثر اصرارا على دكّ معاقل التخلف والرجعية.
ومع كل ذلك بدا تعامل الطيف السياسي التونسي مع الحدث كما لو كان حقل مفارقة عجيبة. بأي صدقية وأي منطق يشارك اسلاميون في مسيرة وجدت اصلا للتنديد بـ«الاسلام السياسي»؟
وبأي معنى واي منطق يقاطع اليساريون الامميون مسيرة وجدت اصلا لاستنهاض كل الامم في معركة عالمية ضد الارهاب؟
ما خلفية مشاركة «النهضة» وما خلفية مقاطعة الجبهة الشعبية؟ هذا هو المدار الذي سنحاول مقاربته نقديا على ضوء المواقف المعلنة للطرفين والتي افصحت عن تناقض رهيب بين يمين يخترق ويسار يحترق، يمين يخاتل لحظة سياسية تعمل ضده ويسار يفارق لحظة سياسية تسير لصالحه انها ولا شك مفارقة تونسية حرية بالتحليل والتفكيك كونها مرآة عاكسة لواقع حزبي صيغ على غير المألوف والمتعارف.
كان اسلاميو تونس ـ حركة النهضة تحديدا ـ قد شرعوا منذ فترة في حياكة لبوس «مدني» لتحركاتهم السياسية ورغم ان اللقطة لم تحظ بالقبول الكلي داخل مكونات المشهد العام، الا انها توصلت في النهاية الى فتح فجوة أفضت الى مشاركة نسبية في الحكم.
اما يساريو تونس ـ الجبهة الشعبية تحديدا ـ فقد انطلقوا وسط انتظارات كبرى بالنجاح في التأسيس لبديل سياسي اجتماعي، وانتهوا الى ما يشبه خيبة الأمل حين ظهروا مؤخرا في صورة انفعالية لا تتماشى أصلا مع حجم المهمة التاريخية.
دخل الاسلاميون الى منطقة السلطة داخل سياقات تتوجس من خطابهم وممارستهم، ورفض اليساريون السلطة داخل سياقات تستنهضهم للمشاركة الفاعلة في صنع المستقبل. هذه مسألة خيارات تفهم فتحترم، غير انها مكتنفة باشكالات كبرى واستفهامات كثيرة.
وهذا تحديدا مايشكل مدخلا الى فهم مقدمات المواقف الحالية المعلنة: هل يشارك الاسلاميون في المسيرة العالمية لمناهضة الارهاب من باب انهم حزب في الحكم ام من باب انهم «جماعة» تتوقى من مخاطر التنصيف؟ وهل يقاطع اليساريون نفس المسيرة من باب انهم جبهة معادية للامبريالية والرجعية، ام من باب انهم اطار سياسي هش لم يتخلص بعد من رواسب العمل الحلقي والتسطيح الشعاراتي؟
النهضة تشارك... لماذا؟ والى أين؟
لم يستغرب الرأي العام التونسي اعلان حركة النهضة  المشاركة المكثفة في مسيرة العالم ضد الارهاب فالمواقف المتناقضة مع جوهر القناعة الايديولوجية صارت متعودة ومنتظرة من فريق «مونبليزير» لكن وجه الاستغراب يتعلق اساسا بما اذا كانت هذه المواقف المعلنة واجهة تمويهية تخفي النوايا المضمرة  أم ارادة حقيقية لمساءلة الذات الحزبية ووضعها على محكّ قراءة تجاوزية حاسمة والذي يجعل من هذا التعجب أمرا مشروعا هو اصرار قيادات النهضة في الوقت ذاته على قبول التعاطي الايجابي مع المستجد السياسي الراهن، وعلى رفض أيّ نقاش حول تهاون حكوماتهم السابقة في ملفات عديدة ومنها ملف الإرهاب.
وفي الواقع نستطيع أن نلحظ هذا التشابك الأخطبوطي من داخل وضعيات دالة منها مسيرة مناهضة الإرهاب.
ستكون المسيرة موشّحة في صفوفها الأولى بوزراء نهضاويين سابقين طالما وجّهت اليهم انتقادات لاذعة وربّما «اتهامات» بالتساهل مع تنظيم «أنصار الشريعة» المسؤول الأول عن إنتاج الإرهابيين والقتلة في تونس.
وسيكون هناك في نفس المسيرة أشخاص سمحوا لعلم الخلافة الأسود أن يخالط علم الوطن الأحمر في الساحات العامة بدعوى حريّة التعبير و«التبشير بثقافة جديدة».
سيكون هناك قادة نهضاويّون سبق وأن استقبلوا شيوخ السلفيّة وغمروهم بالعطف وهذا في حدّ ذاته ما يجعل فريق السيد راشد الغنوشي أمام سؤال دقيق وواضح: إن كنتم لم تغادروا بعد خيمة الإسلام السياسي فلماذا تشاركون في مظاهرة عالمية ضدّه؟.
هنا تحديدا نلمس أثرا للتقنية الاختراقيّة التي تعتبر تاريخيّا من صميم المنبت الإخواني.
إنّ مشاركة النهضة في هذه المسيرة ستوفر لقادتها جملة من الذرائع والأغطية لـ«سرقة اللحظة» وتحويلها من لحظة توريط الى لحظة انفراج. إنّها على الأرجح محاولة استلال المرابيح من رحم الخسارة. فالمشاركة تعني تصريحا أمام الأسرة الدولية بالبراءة من لبس «التشدد الديني» وتصريحا أمام الرأي العام الوطني بتغيير السياسات والقناعات ورسالة تطمين الى حلفاء الحكم بأنّ الحركة مستعدة دائما لمدّ اليد إن لم نقل «السمع والطاعة».
منذ أن تزلزلت الأرض المصرية تحت الأقدام الإخوانية، تصرّف إسلاميّو تونس بشكلين متضاربين تمام التضارب، شكل «مدني ناعم» يحاكي التوافق والحوار الوطني وشكل «أصولي عميق» لم يقطع علنيّا مع التجربة الإخوانية ولم يعمد توثيقيّا الى تغيير النصوص التأسيسية لحركة الاتجاه الاسلامي والتي تعود الى ثمانينات القرن الماضي.
ولعلّ هذا التضارب يمثل اليوم في الأذهان ونحن نرى قادة كالغنوشي وعلي العريض وعبد اللطيف المكي يسايرون في نفس المظاهرة أحزابا علمانية وجمعيات لائيكية وينددون في غير تحفّظ بزملائهم في العقيدة الإيديولوجية... قد يفهم البعض هذا على أنّه ذكاء ليكن لكنّ طعم الاختراق واضح لا لبس فيه لأنّ الحركة لم تفكّر بعد وبالجدية اللازمة في تغيير الذات بل فكرت في مسايرة الرياح العاتية حتى لا تباغتها موجاتها العكسيّة.
الجبهة تقاطع... لماذا؟ والى أين؟
لماذا يغيب الأمميون في مسيرة أمميّة؟ سؤال يرافق تلك المقاطعة الحاسمة التي أعلنتها «الجبهة الشعبية» للمسيرة العالمية لمناهضة الإرهاب وإذا كانت الذرائع المقدمة في الموضوع تبدو ظاهريّا منطقية فإنّ الاستتباعات السياسية لنفس الموضوع تبدو في العمق جدّ سلبية. فماذا يعني غياب طرف وطني ذي وزن سياسي وبرلماني عن مناسبة عالمية كانت ستعزز اشعاعه وتنمّي قدراته التواصلية مع الفضاء الكوني المفتوح؟.
كان للجبهة تحفظات حول مشاركة أطراف دولية ومحليّة وساهمت بشكل أو بآخر في دعم الإرهاب والتغطية على نشاطاته وهذا أمر لا ينازعها فيه أحد لأنّه صحيح ومعقول وثابت بالحجّة والبرهان.
لكن ماذا لو تمّت المشاركة الفعلية في المسيرة وترافقت مع تعبئة مرموقة وتمّ خلالها ومن داخلها رفع شعارات منددة بدور الدول العظمى ومحور أنقرة ـ الدوحة في دعم وإسناد الحركات التكفيريّة؟.
ماذا لو تمت المشاركة ووزعت داخلها بيانات ورسائل تستنهض تلك الدول العظمى لتغيير أجنداتها بما يتناسب مع سيادة الشعوب وإرادتها.
لقد بدا الانسحاب كما لو كان خروجا من الحدث وإيماء بوجود اليسار الراديكالي خارج دائرة «الوحدة الوطنية» وإشارة الى أنّ مسيرة «كلّنا باردو» ستكون مبتورة ومنقوصة ممن أثثوا يوما ما «اعتصام باردو» الذي أسقط حكم الترويكا لمصلحة من؟
هذا أمر من المفترض أن تجيب عنه الجبهة التي راوغت انتظارات النخبة السياسية العقلانية وصارت تبدو كفضاء سياسي محكوم بانفعالات اللحظة قاصر عن استثمار سيرها الحثيث الى إنجاز مهمّة تاريخية اسمها «مقاومة الظلامية» وهي بالأساس المهمّة التي ألقاها اليسار التونسي على عاتقه منذ اللحظة التأسيسية الأولى.
لماذا نجحت «النهضة» في اللعب داخل أضيق المساحات وغادر اليسار الملعب وأمامه أوسع المساحات؟
لنقل أنّ ذهنية اليسار الراديكالي لم تغادر بعد منطقة «الطهرية الثورجية» المفرغة من المضمون الثوري أو أنّه لم يغادر تصنيفه التقليدي كحلقات تنظيمية صغيرة تتحلّق حول «الرمز» أو «الزعيم» عدا ذلك لا نجد فعلا مؤشرات لبروز يسار اجتماعي مهيكل يواكب المتغير السياسي الديمقراطي ويقطع مع القراءات التحفظية التي نشأت وترعرعت داخل أقبية النضال السرّي.
لقد اخترق اليمين الديني المتشدد ساحة كانت مهيّأة في الأصل لاستقبال حركات يسارية صاعدة تحمل من البدائل السياسية والإجتماعيّة ما يوائم بين مناهضة الاستعمار ومناهضة الاستغلال ومقاومة الرجعيّة.
وهكذا تكون مقاطعة الجبهة للمسيرة العالمية في هذه اللحظة وفي هذا السياق تجديفا عكس منطق التاريخ. أمّا الأهمّ والأخطر، فهو أنّها تؤشر للحظة فراغ يمرّ بها العقل اليساري التونسي وهذا بالفعل ما يستوجب النظر في صياغات فكرية وتنظيميّة جديدة تنقذ اليسار وتعيده الى مداره الأول في طليعة الحركة التقدميّة.