الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



على وزن الريشة

«كرسي الشابي»، وأوراقه المالية؟


بقلم: حسن بن عثمان

لم تتوفر معلومات كافية عن (كرسي «أبو القاسم الشابي») تسمح بفهم ما هو المقصود بكرسي الشابي في مدينة الثقافة، وما توافر من معلومات عامة وغامضة تفيد أن هذا «الكرسي» الذي أجلس عليه الشابي في مدينة الثقافة هو من اقتراح وتنفيذ وزارة الشؤون الثقافية بالاشتراك مع «مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين»، وهي مؤسسة خاصة لصاحبها رجل الأعمال الكويتي العصامي الشاعر عبد العزيز سعود البابطين، الذي بدأ حياته من الصفر يبيع السجائر بالتفصيل على أرصفة الشوارع، ثم بالمثابرة والتدرّج أصبح من الأثرياء العرب وتنوّعت أعماله. وهو رجل مغرم بالشعر والشعراء العرب كما أنه يكتب قصائده العمودية والحرّة، وله نشاط كبير وجوائز عربية في مجال الشعر، وأصدرت مؤسسته العديد من الأعمال الشعرية الكاملة لشعراء عرب كبار معاصرين من الكلاسيكيين، ومنها الأعمال الكاملة في خمسة مجلدات لشعر ونثر أبي القاسم الشابي في سنة 1994...

عبد العزيز سعود البابطين رغم عصاميته وثرائه فإنه شخص دمث الأخلاق وخَيّرٌ، كما يقال، يخصص جزءا من ثروته لدعم الثقافة العربية التي تستجيب لذوقه ورؤيته للثقافة، وهو رجل يتمتّع بحضور تلقائي وأريحية في العلاقات البشرية، ذلك ما انطبع في الذهن عن البابطين في أول وآخر مقابلة تلفزية له في تونس، أجريتها لفائدة قناة 21 سنة 1996، في برنامج كنت أنتجه وأقدّمه لتلك القناة الفتيّة بعنوان: «مباحث في دنيا الثقافة».

 

كل دعم للثقافة، سواء الثقافة المحافظة أو الثقافة التقدمية، هو دعم مشكور ويحسب لأصحابه في عداد حسناتهم ويسمّون محسنين، ولكن المسألة في حكاية «كرسي أبي القاسم الشابي للشعر» في مدينة الثقافة، تظل غامضة من حيث وظائف هذا الكرسي ومن يشرف عليه ومن يموّله ومن يحدّد موضوعاته ومحاوره، هل هي مؤسسة البابطين أم وزارة الثقافة أم رئاسة الجمهورية، بما أن الرئيس الباجي قايد السبسي حضر الاحتفالية الشعرية التي استهجنها الكثير من الشعراء التونسيين، واستهجنها واحتجّ عليها أهل مدينة توزر، مسقط رأس الشاعر أبي القاسم، الذي كان يليق بكرسيّه حضور شعراء من العالم وكبار الشعراء العرب، ليتحدثوا للعالم عن الشاعر التونسي الفريد من نوعه، ولكن ليس الوحيد في الإبداع، فقد كان معه الشاعر والمنظّر الاجتماعي الطاهر الحدّاد في المرحلة التاريخية ذاتها. وهو جدير بكرسي، أو عرش في الثقافة العربية الراهنة، أما أبو القاسم فقد نال البعض من حظّه من تلك الثقافة في عهد بورقيبة وعهد بن علي وعهد الثورة.

 

قبل الثورة كان نظام الجمهورية التونسية مثل نظام السلاطين والخلفاء والملوك، وكان بورقيبة ، باني دولة الاستقلال، يصكّ النقود باسمه ويطبع صورته عليها، من قطعة الدورو القصديرية إلى العشر دينارات الورقية. اكتفى بن علي باستبدال صور الزعيم بصوره في الإدارات وفي الشوارع وعلّقها فوق الرؤوس. دون أن يتقدم أكثر في التغيير ويضع صورته على النقود. ربّما، حتّى تبقى للنقود بركة.

كان بن علي، هو الآخر، له مشكلة شخصية مع تماثيل بورقيبة في ساحات المدن وصوره على النقود، فعمل على تعويضها بصور لرموز تاريخية من ذاكرة البلاد، ودسّ رقم السابع على الأوراق كلّما تطلب أمر السياسة. كانت صور عليسة ويوغرطة وحنبعل وكان ابن خلدون وكان خير الدين، كلّهم كانوا من التّاريخ ولا علاقة لهم بخصوم الراهن وسبب الخصام. فجأة، بلا مقدمات ولا تفسيرات تمّ استحداث ورقة نقدية جديدة في الذكرى العاشرة للسابع من نوفمبر قيمتها ثلاثون دينارا وعليها صورة «أبو القاسم الشابّي».

الشاعر أبو القاسم الشابي (بلقاسم)، بجلالة قدره الإبداعي، وما يثيره من رمزية حيّة للشاعر الشقي النقيّ المنشق الذي مازالت أشعاره، كما حياته، محلّ نزاع ومحلّ درس، ومازال لم يدفن ويفنى في قبره. ها وجهه الصبوح الجديد على ورقة من أغلى ورقات النقد في البلاد!

 

استقبلت تلك الورقة النقدية بالرضى والحفاوة. شاهد الناس تسارع التاريخ في بلاد السابع من نوفمبر وكيف صارت صور الشعراء المعاصرين توضع على نقود الوطن العصري. فتحت شهية مبدعي وشعراء البلاد الأحياء على الخلود والثراء، مع أن كثيرا منهم لا يملك في جيبه صورة الشابي لمصروفه الشخصي، فضلا عن التفكير في قبر يُلْحَدُ فيه ويُخَلّد هناك، إلا إذا أخفى تلك الورقة النقدية الثمينة على العيون الرقيبة. أمّا بعض التقنيين من المصرفيين فقد اعتبروا أن ورقة الثلاثين لا تنضبط لحساب الألف ولا حساب الألفين. لا يواتيها الصفر إلا في الثلاثة آلاف وقس على ذلك. تنقصها عشر دينارات في عدّ ثلاثينات الألف مليم للوصول إلى المليون، وذلك يرهق الآلات الحاسبة التي لا تقرأ الشعر بطبيعتها.

وبحلول سنة 2010 ، تقريبا، وبوادر اهتراء المقدرة الشرائية في البلاد التونسية وبداية ظهور الغضب الشعبي، في الحوض المنجمي تحديدا، صكّ البنك المركزي التونسي ورقة نقدية جديدة بخمسين دينارا وطبع عليها صورة ابن رشيق القيرواني. يفوح من هذا القرار النقدي الجيّد جدّا جهود نقدية أكاديمية ومعرفية تسفّل الإبداع المنفلت من تقاليد الشعر، وتعلي من شأن التنظير والدرس المعرفي، لذلك وقع رفع ابن رشيق نقديا على الشابي بعشرتين. صار الشابي في مرتبة نقودية أدنى.

لمن لا يعرف، فابن رشيق ليس تونسي المولد وليس دفين الديار التونسية. ولد في الجزائر الشقيقة ودفن في صقلية الجزيرة الجارة. جاءت قيروانيته من إقامته بين القرنين الرابع والخامس الهجري في مدينة القيروان التي تعدّ عاصمة كبرى من عواصم الحضارة العربية الإسلامية.

جاء في ويكيبيديا: «مدح ابن رشيق حاكم القيروان المعز بن باديس بقصائد حازت إعجابه وكانت سببا في تقريبه له ثم اتصل برئيس ديوان الإنشاء بالقيروان، أبي الحسن علي بن أبي الرجال الكاتب ومدحه. ألف له كتاب العمدة في محاسن الشعر ونقده وآدابه. وقد ولاّه «علي بن أبي الرجال» شؤون الكتابة المتصـلة بالجيش. وبقي ابن رشيـق في القـيروان (الصفحة غير موجودة)» إلى أن زحفت عليها بعض القبائل العربية القادمة من المشرق فغادرها إلى مدينة المهدية، حيث أقام فترة في كنف أميرها تميم بن المعز (الصفحة غير موجودة) ولكنه ما لبث أن ترك صقلية، حيث أقام بمدينة مازر إلى أن وافته منيته».

أنا أتخيّل أن أبا القاسم غضب من تلك الفعلة الشنيعة غضبا شديدا، وأتصوّر أنه من فرط غضبه من سفاهة حثالة العهد الجديد نفث لعنته على الأوضاع المتردية فهبّ رجال البلاد تسبقهم النساء هاتفين على إيقاع الإرادة الشابيّة: «الشعب يريد إسقاط النظام»... ذلك النظام الذي لم تعد عقوله المفكرة تميّز بين منزلة الشابي ومقام ابن رشيق الذي تقَرْوَنَ بالقيروان ثم حين حاق المكروه بالقيروان لاذ إلى مكان يموت فيه بلا فروسية الانتماء لأرض ما.

وها أن الثورة أنجبت لنا مجلسا تأسيسيا وحزبا حاكما وثلاثة رؤساء، الثورة تلك التي على إيقاع أغاني الحياة كان إيقاعها وهتفت من شعر الشابي في كل الدنيا: «إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر»... الثورة تلك تحديدا، قرّر القائمون مقامها، في سنة 2013 إصدار ورقة نقدية باسم البنك المركزي التونسي، بعشرة دينارات عليها صورة الشابي على خلفية لون يعوم في الأزرق وما جاوره من أزرق لايت. سارق في يده شمعة... كأن من تولّى الثورة يرغب، بحماسة بالغة وسرعة فائقة في تكريم الشاعر بدحرجته من الثلاثين إلى العشرة، واستباحة قيمته المالية والمعنوية، ماداموا جبناء تعوزهم الرجولة الإبداعية على دحرجته شعريا.

قال المصرفيون وقت طبع ورقة الثلاثين دينارا أن الورقة لا تنضبط للألف. صاحب صورة الثلاثين لم يكن منضبطا في شعره ليسمح لنفسه بأن يكون منضبطا في حساب النقد، خاصة إذا كان بالآلات والبالات. كان الأحرى بالنقد إن كان، نقدا ذكيا وإن كان يحسن الحساب، أن يصكّ لنا ورقة بألف دينار بما يتناسب مع شاعر الثورة وانتظارات المراقبين.

لكن بعض المراقبين الدوليين لا يفهمون أن ثمة احتقانا ثقافيا حفّ بميلاد دولة الاستقلال ورموزها في البلاد، فضلا عن ميلاد الثورة، وثمة من يحمل جنسية البلاد واغتنم فرصة الثورة لتصفية حساب إرث قديم بقهر الشابي نقديا، وفيهم من يدّعي الشعر وفيهم من يدّعي حسّا وطنيا ويتذوق الجمال. لكن لم تعرف في الإخوان ثورة تنسب إليهم ولا شاعر واحد يضاهي الشابي ولا أحد من شعراء الحداثة العربية التفت إليهم إلا على سبيل القدح. حتّى أدونيس هام بثورة الخميني لا بشعرها التمجيدي، الإخواني منه خاصة. وصار الشعر والشعراء تحررا من العمدة والعمود لمهمة عجن الشعر بالصمود. لم ينتسب الشعر أبدا إلى أية فصيلة من فصائل تراتبية كنسوت الإخوان ولا صخب عدوان الحياة.

أتوقّع، حسب ظنّي الذي لم يخيّبني في بعض اللحظات، أن أبا القاسم الشابي لن يغفر لهم مثلما سبق أن برهن، في آخر عهد بن علي، مع ورقة ابن رشيق، ذي رقبة المصارع الغليظة المفتولة في رسم أسطوري على أوراق نقدية للتداول. أطاح شباب الشابي بنظام لم يعد يميّز الصور في النقود. نظام عسكري أكاديمي صار لا يفرّق بين العضلات والانفلاتات والمفتولات، عوّضه نظام تحكمه النهضة وتزرع الأشواك، وفيه انحدرت قيمة الشابي المالية وكذلك انحدرت معها قيمة العملة التونسية وصارت في أسفل السافلين.

 

ليست الكراسي المعرفية من تقاليد مؤسساتنا التعليمية ولا الثقافية، مع أن الكراسي البحثية منتشرة في العالم أجمع، خصوصا في أمريكا، ولم نكن نعرف في تونس من الكراسي الأكاديمية إلا «كرسي بن علي لحوار الحضارات والأديان » الذي كان يشرف عليه المؤرّخ التونسي المعروف محمد حسين فنطر، ونرجو أن يكون «كرسي الشابي» تدشينا لعصر الكراسي التي يجلس عليها الأحياء من الراسخين في الإبداع أو في المعرفة والخبرة، حتّى لا يكون كرسي الشابي هو الشجرة التي تخفي أشجار الغابة، فهناك الكثير من الشجرات المثمرات في الثقافة التونسية المعاصرة تستحق أن يكون لها كرسي ثقافي أو أكاديمي بالحياة، مثل الشاذلي القليبي أو عبد المجيد الشرفي أو منصف الوهايبي أو هشام جعيّط أو فضيلة الشابي، الشاعرة المتمرّدة عن سلالة الشابي... وقس على ذلك.