الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



نقاط وحروف

ما أكثر استهلاك «الخمر»، ما أقل الحديث عنه


بقلم: كمال الشيحاوي

يجد المتحدّث عن الخمر في بلادنا الكثير من الحرج الفكري و الاجتماعي والأخلاقي وحتّى القانوني و السياسي، فمع أنّه من أكثر المنتجات استهلاكا وتوزيعا في بلادنا ودعما للمالية العمومية إلاّ أن غالبية التونسيين يتجنّبون الخوض فيه. (أحدهم كتب على الفايسبوك» معبّرا عن هذه المفارقة على نحو ساخر: «وزارة التجارة، تصنعه، وزارة السياحة توزّعه، وزارة الشؤون الدّينية تحرّمه، وزارة النقل تحذّر منه، وزارة الدّاخلية تعاقب مستهلكيه، إلخ). ويعود هذا الارتباك في تقديرنا لأسباب مختلفة يتداخل فيها الدّيني بالأخلاقي والحضاري. ورأينا أن استمرار الصمت عنه وتجنّب الخوض في أحوال مستهلكيه، بل وشيطنتهم في أغلب برامج تلفزيون الواقع، فضلا عن الخطب المسجدية التي لم تتوقّف عن تبخيس أهله ولعنهم، كلّ ذلك لم يقلّل من انتشاره بل ضاعف عدد طالبيه وربّما ساهم في إفساد علاقتهم به وعلاقتنا بهم أيضا.

إنّ طرح الموضوع من مختلف الجوانب سيفيدنا أكثر من الصمت عنه والقفز عليه. ولعلّه من المناسب في البداية رفع الغموض واللّبس الذين يصاحبان الجانب القانوني فيه. فالقوانين والإجراءات القديمة التي تعود للدولة الحسينية زمن الحماية الاستعمارية والتي كانت تمنع بيع الخمر للمسلمين صارت ملغاة و القانون التونسي لا يمنع الاتجار فيه واستهلاكه في الفضاءات المعدّة لذلك، واستهلاكه في الفضاءات الخاصّة يندرج في إطار الحريات الفردية دون شكّ. وأما ما يتصل بالإجراءات القانونية التي تتخذ ضدّ من تثبت عليه السياقة في حالة سكر أو إحداث ما يربك الأمن العام فإن هذا أمر جار في كلّ المجتمعات المتحضّرة. وعلى خلاف الرأي السائد في كون الخمر محرّما بصريح النصّ وفي جميع المذاهب فإن الأمر غير صحيح تماما. وجميعنا يذكر إطلالة «محمد الطالبي» رحمه الله في بعض وسائل الإعلام حين بيّّن أن الله لو أراد تحريم الخمر بشكل صريح لقال ذلك حرفيا كما هو الحال مع محرمات أخرى ولكنّ الآية تدعو إلى اجتنابه وهي درجة أخفّ كثيرا من التحريم. وتقديرنا أن تعمّد العديد من الخطباء والمتكلمين في الشأن الدّيني في بلادنا إخفاء حقيقة الجانب الخلافي في هذه المسألة والإصرار على أنه محرّم بإجماع الفقهاء يعدّ حجبا للعلم أوّلا، وضربا من التشدّد الفقهي الذي يضاعف في توتّر وقلق المسلم الذي يرغب في شرب الخمر دون شعور بالذنب أو الانفصام ثانيا ولعلّ ذلك يكون أحد المصادر المغذّية للعنف في بيئة شارب الخمر العائلية والاجتماعية عموما.

وإذا تأملنا استهلاك الخمر في بلادنا من النواحي النفسية و السوسيولوجية والحضارية رأينا أنّ إنتاجه واستهلاكه يعودان تاريخيا إلى العهد القرطاجني أي قبل مجيء الرومان الذين تحوّلت معهم الحانة إلى عنصر أساسي من المدينة مثلها مثل المعابد و المسارح و المتاجر و الأسواق و دور المتعة ، دونها لا يمكن الحديث عن مدينة ( la cité ) . وقد عرفت مدينة تونس العتيقة خلال القرن السادس عشر بعث أولى الحانات عن طريق الإيطاليين و يؤكد الباحث «احمد السعداوي» (كما يشير إلى ذلك الزميل «محسن عبد الرحمان» في مقال منشور له) من خلال وثائق تاريخية عدة عثر عليها ، أن مدينة تونس عرفت بعث العديد من الحانات خلال القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر و كانت تديرها جاليات مسيحية و يهودية و كان عدد من زبائنها ، إلى جانب اليهود و المسيحيين ، من المسلمين و من أعيان المدينة . ويذكر الباحث أن أصحاب هذه الحانات كانوا يدفعون الضرائب مقابل نشاطهم . كما عرفت مدينة تونس الحديثة منذ نشأتها و الى حدود ستينيات القرن الماضي عشرات الحانات التي كانت تمثل جزءا من المدينة ودليلا على تحضر اَهلها الذين كانوا يلتقون ، ليس من اجل السكر والعربدة مثلما يشاع وإنما من اجل الحديث والنقاش و الاستمتاع و الترفيه . .هذا ويشير أستاذ علم الاجتماع «فؤاد الغربالي» في مقال له على موقع السفير إلى أنّه مع بداية القرن العشرين كان عدد الحانات خمسين، ليرتفع في ثلاثينات القرن الماضي إلى 217 حانة ويصل سنة 1956 إلى 237 حانة وإلى أكثر من 300 بعيد الاستقلال. ثمّ تدحرج هذا الرقم في تقديره ليصل الى أقل من ثلاثين حانة في عاصمة فيها أكثر من ثلاثة ملايين ساكن، وتقدمها الحكومة بوصفها مدينة سياحية. ومن المفارقات الكبيرة على الصعيد السوسيولوجي لظاهرة استهلاك الخمر في بلادنا أنّه على تراجع عدد الحانات فإن استهلاك الخمر قد تزايد بل تضاعف على نحو غير مسبوق ما يرجّح موضوعيا أن أكثر ما ينتج إنما يباع بطرق غير قانونية ويستهلك في الغابات والجبال والمنازل المهجورة وحيثما كان شاربوه بعيدين عن أعين المخبرين والشرطة. وبقطع النظر عن موقف كلّ شخص من الظاهرة فإن شرب الخمر وتوزيعه خارج الحانات يعتبران من مصادر التوتّر والعنف والجريمة. فمعلوم أن الشخص الذي يرتاد الحانة أو المطعم الذي يوفّر الخمور إنّما يتقاسم الفضاء والكلام والتعبير والانتشاء والتحرّر العابر من العادي مع الناس وفي وسطهم ما يخفّف كثيرا من وحدته ومن نوازع العنف لديه. وتشير بعض التحقيقات الصحفية التي أنجزت مع مرتادي الحانات (أشير إلى مقال الصحفية«أمل مكي») إلى تبرّمهم المفرط من غلاء سعر المشروبات الروحية بأنواعها وهو ما يمثّل سببا في لجوئهم لاستهلاكه خارج هذه الفضاءات. وثمّة من يفسّر إدمان الشباب على أنواع خطرة من المخدّرات بسبب غلاء المشروبات الروحية وعجزهم عن شرائها.

لا ينبغي أن يفهم من مقالنا أنّنا ندعو إلى شرب الخمر أو إلى مضاعفة عدد فضاءاته والتخفيض من سعره أو أنّنا غير مدركين لتأثيراته السلبية على الصحة الجسدية والنفسية فضلا عن دوره في العنف الأسري والأخلاقي، وإنما حسبنا أن نساهم بتواضع في فتح النقاش العمومي حوله وفي إثارة كلّ جوانبه ومظاهره من أجل تفهّم هذه الظاهرة والتعامل معها بطريقة حضارية ناجعة. فالإقبال على شرب الخمر اختيار شخصي حرّ أوّلا ولا يمثّل إدانة أخلاقية لمستهلكه ولا مبرّرا لأي خروج عن القانون، ومعرفة تأثيراته السلبية عند الإفراط أمر مندرج في صميم الثقافة الصحية العامة وثانيا أنّ الاستثمار الأخلاقوي في مسألة الخمر والتي انطلقت من ثمانينات القرن الماضي وتواصلت مع سياسة «بن علي» عبر مضاعفة بناء الجوامع والتخفيض من عدد الحانات في العاصمة مثلا للدّعاية بأن السلطة حريصة على الدّين والهوية لم ينتج عنه تحسّن أخلاق التونسيين ، بل لم يمنع انحدارهم الأخلاقي بما يؤكّد أنّها كانت سياسة غطّت عن عجز هذه الحكومات والأنظمة عن تحقيق مطالب الناس في التنمية والتشغيل والحرية. ثالثا أنّه في ظلّ صمت «منظمة الدّفاع عن المستهلك» المتواصل و المريب في هذا الموضوع لا نحتاج للجرأة لنقول أن مضاعفة أسعار المشروبات الروحية والأداءات الخاصّة بها وانخفاض عدد الحانات في العاصمة وفي عديد الولايات غير السياحية خاصّة قد ساهما على نحو مباشر في زيادة مافيا بيع الخمر خلسة ومضاعفة عدد المستهلكين وزيادة العنف والجريمة وتفضيل المخدّرات الأقل ثمنا على الخمر.

لقد كان لتونس منذ عالم الفلاحة «ماغون» القرطاجني وابن الرقيق القيرواني (من القرن الرّابع الهجري) في مؤلّفه «قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور» وعلي الدّوعاجي في «جولة بين حانات المتوسّط» وصولا إلى «حسن بن عثمان» في مؤلّفه «تونس السكرانة» تاريخ في انتاج الخمر واستهلاكه ومجالسه وعلومه وآدابه وفنونه ما يشابه الكثير من البلاد العربية الإسلامية التي احتفى شعراؤها ومتصوّفتها وفنّانوها بالخمر ما يجعل النخبة التونسية قادرة على طرح هذا الموضوع بكثير من الأريحية والتسامح والبحث عن الصيغ الكفيلة بجعل شرب الخمر لمن أراده مظهرا للفسحة والمتعة ووسيلة للتعارف والتواصل بين الناس وتعبيرا عن التمدّن والتحضّر بعيدا عن العنف والانحدار الأخلاقي وشتّى أشكال الشيطنة والتشدّد وتكفير الناس بعضهم لبعض.