الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



هكذا أرى

... ما أحوجنا في زمن المهازل والحماقات الى شيء من الضحك!


بقلم: محمد مصمولي

ما دام ما يحدث في مجلس النواب، ومنابر القنوات التلفزية، وصفحات الفايسبوك وغيرها من الصحف الصفراء لا يشعرنا بأننا في زمان الإنتقال الديمقراطي والتأسيس للجمهورية الثانية، بقدر ما هو يشعرنا بأننا في زمن المهازل، فأنا يحق لي أن أتساءل عن السبب الذي من أجله تفتقد الساحة الإعلامية الى صحيفة هزلية أو أكثر للترويح عن النفوس وللسخرية ممّا يحدث من شتائم وسباب وكلام بذيء ومهاترات ومزايدات.. حمقاء..

ألا يحتاج الشعب التونسي الذي أصبح في حالة تأزم نفسي واحتقان وخوف على المصير الى شيء من الترويح عن النفس؟

 

المعلوم هو أنّ الصحافة الهزلية قد ازدهرت في تونس في العهد الاستعماري ومنذ بداية القرن العشرين. فكانت أول جريدة من هذا النوع جريدة «ترويح النفوس» لصاحبها المرحوم (عزوز الخياري). وبرز عددها الأول عام 1906.

والجدير بالذكر هو أن إزدهار الصحافة الهزلية كان في الخط الموازي لازدهار كل الحركات الأدبية والمسرحية والاصلاحية والسياسية.. منخرطا في الجهد المشترك من أجل شحن الهمم وتحريك السواكن، ومكافحة بعض العادات والتقاليد السائدة...

فهذا الإزدهار للصحافة الهزلية كان في عهد الاستعمار.. فما المانع في أن يكون في زمن المهازل الذي نعيشه الآن.. وقد أصبحنا «مستعمرين» و«محتلين» بالتهور والفوضى والوقاحة.. وذلك الى جانب البطالة والفقر وارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية .. و... الخ؟

 

... المرحوم توفيق بكار، وقبل عامين أو ثلاثة من رحيله، قال لي، فور مجيئه من باريس «إنّ اللغة العربية على صعيد وسائل الإعلام أصبحت في خطر، بسبب «الفرنكو ـ آراب»... أليس كذلك؟».

... فقرأت له ما كتبه الشاعر والكاتب الساخر حسين الجزيري في بدايات القرن الماضي حول اللغة وهذا نصه الشعري:

عندما دقّ جرس التلفون دنا

من بُوقه العبد للّه وقال «ألو»

... فقال لي سامعي Mon cher ami

Demain matin بختان الإبن نحتفل

Tu viens إلى la maison قبل الزوال ولا

يُنسيك Rendez-vous شغل ولا عمل..

... فحسين الجزيري (1894ـ1974) كان له الدور الأبرز على صعيد الصحافة الهزلية، إلى جانب دوره البارز أيضا في الإصلاح الاجتماعي والسياسي والاخلاقي..

ألم يقل عنه زميله ومعاصره «البشير الفورتي» (1882 ـ 1954) أنه: «لذيذ الأسلوب، فكه التحرير، حلو الشعر، من التنكيت يبكت خصمه، ولا يتركه الا على نعشه. مقصّه حاد يقطع حتى رقاب العباد، ولولا خفة روحه لرأيت له خصومة في كل حومة..».

... المؤسف هو أنّ حسين الجزيري لم يمتدّ به العمر ليعيش ما نعيشه اليوم من مهازل في بداية القرن الحادي والعشرين حيث تتجرأ نائبة في «مجلس نواب الشعب» لتقول لرئيسها أنها «أكثر منه رجولة» وحيث يتجرأ نائب آخر بتهديد من يختلف معه في الرأي بـ «تفجير نفسه» ..تحت القبة..

 

.. لقد ارتبط اسم حسين الجزيري بالصحافة الهزلية التي اشتغل فيها، فكان المحرر لجريدة (الضحك) وكتب في جريدة (جحا) مدة طويلة..

... أما جريدة (النديم) التي أسسها في سنة 1921 وتواصل صدورها.. بغير انقطاع عشرين عاما، ممارسا عن طريقها وبأسلوب ساخر، ضربا من المقاومة الذكية للبدع والأخلاق المنحطة، فقد كانت جريدته هذه نقطة تحوّل في تاريخ الصحافة الهزلية الهادفة وذلك بشهادة العلامة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور الذي قال عن حسين الجزيري وجريدته:

ـ .. :«جمع الى ملاحظاته الدقيقة، وروحه الساخرة، ونكته التهكمية، ومنطقه الفكه، ذوقا متصرفا بالنقد من مواقع الكلام ومجاز البلاغة فأسس روح الأدب العربي لتناول الحياة الماثلة بالتهكم والنقد، وأبدع في التلاعب بالألفاظ والتراكيب والأبيات والأمثال... ومزج روح النقد الجدي بالدعابة والتنكيت، فجدد للنثر العربي حيويته ومرونته..!».

 

... في أواسط الستينيات، وقبل حوالي سبعة أعوام من رحيله، كان لي شرف التعرف المباشر على هذا الرائد الكبير للأدب الهزلي التونسي، فكنت أزوره في مكتبه بالإذاعة الوطنية والذي كانت تجمعني به وبرموز ذلك الجيل المؤسس (عثمان الكعاك ومحمد بن حسين وعبد العزيز العروي ومصطفى خريف وغيرهم)...

وتمثلت الصدفة السعيدة في إنتمائنا أنا وحسين الجزيري الى القسم الثقافي بالطابق الثالث.. حيث لا تفصل المكتب الذي يجلس فيه عن مكتبي إلا مسافة قليلة من الأمتار..

ولما شرعت شخصيا في إنتاج برنامجي اليومي (ما تسمعه اليوم تقرؤه غدا) فوجئت ذات يوم بزيارته لي في مكتبي ليقول لي:

«إن برنامجك الذي تدعو فيه المستمعين الى التعرف على محتويات الصحف قبل صدورها يذكّرني بشاب كان يزور جريدة (النديم) قبل صدورها ليتعرف على محتويات عددها الجديد».

فقلت له:

«هل تتذكر اسم هذا الشاب الذي كان يزورك لقراءة جريدة «النديم» قبل صدورها؟»

فقال لي:

ـ «هذا الشاب هو رئيس الجمهورية الحالي! أيْ الحبيب بورقيبة!»

 

... فما أحوجنا في زمن المهازل إلى أمثال أدباء السخرية الذين يكونون مثل المرحوم حسين الجزيري من حيث القدرة على إضحاكنا بواسطة نوع من الخطاب الأدبي أو الثقافي الذي يقوم على أساس الإنتقاد للرذائل والحماقات.. ليتمكّن التونسيون من الترويح عن أنفسهم.. ولو قليلا!