الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



أفكار

بين سطوة الصورة وخطورة الرسالة


روضة الشتيوي

في ومضتين إشهاريتين متلفزتين لمنتج تكنولوجي يقع بثهما هذه الأيام، نلحظ مضمونا فيه شيء من التجاوز للقيم والمبادئ التي تؤسّس لقيام أي مجتمع، فنصّا الومضتين يشتركان في الخوض في علاقة التلميذ والابن، من جهة، بالأستاذ والأب من جهة أخرى، هذه العلاقة التي كانت غايتها الوصول إلى بيان الفوائد المعنويّة للمنتوج موضوع الإشهار جاءت على شكل فيه بعض الحدّة في تصرفات التلميذ، في القسم، والابن، في المنزل، تجاه الأستاذ والأب.

الإشهار هو فنّ في حدّ ذاته يعتمد على نصّ مصاغ وصورة منتقاة، وهو رغم صبغته الترويجية وهدفه التجاري يبقى مادة، سواء كانت تلفزية أو إذاعية أو تتخذ لها مساحة في الشوارع في كامل البلاد، تستهدف فئة كبيرة من الجمهور أي أنها في علاقة مباشرة بالناس ما يحتم عليها نوعا من المسؤولية الأخلاقية -إن صحّ التعبير- تجاه من تتوجّه لهم، خصوصا إذا ما وضعنا في الاعتبار تلك السلطة التي يتمتع بها الإشهار على متقبّليه ونحن نعيش في مجتمع استهلاكي بامتياز يقبل على متابعة الجديد في دنيا الطعام والتكنولوجيا والموضة والجمال وكلّ ما له علاقة بالاستهلاك باهتمام، وبالتالي تصبح العلاقة بين المشهر والمستهدف مبنية على التسليم عن غير وعي بكلّ ما في هذه اللقطة أو تلك من طرف هذا الأخير، هذا دون أن ننسى ازدياد وقع اللقطة الإشهارية على متقبّليها من خلال كثرة البثّ وتواتره.

وعادة ما يكون الأطفال الصغار أكثر تعلّقا بالومضات الإشهاريّة المصوّرة منها خاصّة، لما للصورة من سحر لدى هؤلاء ومن سطوة على أذهانهم، وإن قيل قديما «علّم الأطفال وهم يلعبون» فيجدر القول اليوم مع هذا التحوّل الذي شهدته التكنولوجيا «علّم الأطفال وهم يشاهدون التلفزيون أو يتعاملون مع الأنترنات». فطفل اليوم أصبح أكثر التصاقا بالتلفزة وأكثر شدّا للصورة التي تسيطر على خياله ومن ورائها تمرّ الرسالة التي يتضمّنها النصّ المرافق لها ومن هنا تكمن خطورة الإشهار متى كانت الرسالة غير مدروسة.

الإشهار عموما، والإشهار المتلفز خصوصا، هو شكل من أشكال المادة المؤثّرة في المتتبّع مثله مثل غيره من المواد الأخرى التي تقدّمها أية قناة تلفزيّة لجمهورها رغم أنه مساحة مدفوعة الأجر وليس من إنتاج القناة الباثّة. والأطفال والمراهقون هما الفئتان المهدّدتان بالتأثّر بكلّ ما يقدّم تلفزيّا وتكمن خطورة هذا التأثّر متى لم تكن الرسالة على درجة كبيرة من مراعاة حساسية هاتين المرحلتين المهمتين في حياة الفرد وبالتالي المجتمع التونسي الذي يشهد اليوم أزمة قيم وتهورا ملحوظا على مستوى العلاقات بين أفراده.

أن يسعى الإشهار إلى تكريس ممارسات نروم اليوم القضاء عليها حتّى وإن كان ذلك عن غير وعي بهذه المسألة فذلك يعتبر مساهمة في تأزيم الوضع الاجتماعي وتبرير ما يحدث داخله من تصرّفات عدوانية أو فيها تقليل من احترام الآخر والتعدّي على القيمة الاعتباريّة لبعض الأشخاص الذين لهم دور في تنشئتنا وحياتنا حتّى وإن وردت في شكل كوميدي وهزلي. نحن اليوم نعيش تحولات اجتماعية غريبة ولافتة تدعو إلى دقّ ناقوس الخطر وإلى التفكير في الأمر بجديّة وبطريقة تستدعي الدقّة والحيطة في كلّ ما له علاقة بالطفل والمراهق وما يمسّهما مباشرة ويخاطب عقليهما ويداعب نفسيتهما الهشّة، وهذا ما يستدعي تحمّل كلّ طرف لمسؤوليّته مهما قلّ شأنها ومهما كانت في نظره غير ذات أهميّة وغير مؤثّرة.