الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



أفكار

حرب المؤرخين


بقلم: منيرة رزقي

يبدو أنّ ارتدادات ما يحدث في المشهد السياسي قد سرت سريان النار في الهشيم وامتدت إلى النخبة المثقفة التونسية التي احتد جدالها في أكثر من مرة ولكنّ السجال الأخير فاق كل الحدود باعتباره مس قضية شائكة وفي غاية الحساسية ونعني بها تاريخ تونس المعاصر.

ولعله من المهم التذكير بأن هيئة الحقيقة والكرامة فجرت في البداية هذا السجال عندما دعت الى كتابة تاريخ تونس من جديد كما أحيت الصراع البورقيبي اليوسفي وما حف بالفتنة التي انتهت باغتيال صالح بن يوسف.

وكانت تلك بمثابة كرة الثلج التي امتدت الى أوساط كثيرة بدءا من الساسة والمؤرخين وحتى عموم التونسيين الذين انقسموا بين مرحب بما فعلته الهيئة على اعتبار ان تاريخ تونس كتب تحت رقابة الفاعل السياسي ومنح مساحات بلا حدود للزعيم بورقيبة على حساب اعضاده ورفاقه قبل خصومه الذين اسقطهم من سجلات التاريخ وبين من رأى في ذلك سلوكا عدائيا لبورقيبة رائد مشروع التحديث التونسي وليس هذا فحسب فقد مضى أصحاب هذا الموقف بعيدا للتأكيد على أن هذا السلوك يستبطن حقدا دفينا على دولة الاستقلال ومنجزها ورموزها.

وطفا الجدل قليلا قبل أن يعود بشكل حاد هذه المرة تزامنا مع الأحداث الوطنية الكبرى بدءا بعيد الاستقلال ثم عيد الشهداء حيث تم التشكيك في وثيقة الاستقلال وقيل الكثير عن الاتفاقيات التي ترتهن إرادة تونس وثرواتها لفرنسا المستعمر القديم وفق ما تنص عليه الاتفاقية التي أمضاها رموز الدولة الوطنية ووافقوا عليها وفي مقدمتهم الزعيم بورقيبة ودعا أصحاب هذا الرأي إلى ضرورة إماطة اللثام عن كل ما يحف بهذه المرحلة.

وانبرى عدد من المؤرخين للدفاع عن هذا الرأي في محاولة لتبخيس الاستقلال ورموزه وهو ما استفزّ بعض المؤرخين الذين انكبوا منذ سنوات على الاشتغال على تاريخ تونس المعاصر سواء في وحداث البحث والمخابر التابعة للجامعة التونسية أو صلب معهد الحركة الوطنية الذي تم تغيير تسميته الى معهد تاريخ تونس المعاصر بعد الثورة التونسية.

وقد تحدث المؤرخ التونسي خالد عبيد في هذا الصدد وصرح في حديث للتلفزة الوطنية بأنه يدعو كل المؤرخين إلى مناظرة علنية في منبر إعلامي محايد تطرح في سياقه قضية الاستقلال والاتفاقية التي أبرمت وقتها مع المستعمر وكل ما حف بتلك المرحلة مع قراءة الاتفاقيات المبرمة بين تونس وفرنسا المتعلقة بالتعاون الثنائي او باستغلال الثروات التونسية وأكد ان الوثائق التي يدعي البعض انها سرية وأنها تكتشف لأول مرة هي معلومة لدى المؤرخين المختصين ولكنّ قراءتها وفهمها تاريخيا ليسا متاحين للجميع.

ولم يتأخر الرد الذي جاء عاصفا وشاتما أيضا من قبل المؤرخ توفيق البشروش الذي كان قد أدلى بشهادته في مؤسسة التميمي والتي أثارت جدلا كبيرا وهو ما حدا بإحدى الإذاعات الخاصة الى إعادة استضافته وهنا استشاط البشروش غضبا ورفض مناظرة زميله خالد عبيد وقال في حقه كلمات نترفع عن إعادة ذكرها كما عاد الى التأكيد بأن هناك كثيرا من الغموض يلف وثيقة الاستقلال التي حسب رأيه لم تلغ اتفاقيات الحماية المبرمة مع فرنسا كما انه تم إخفاؤها ولم تبرز للعموم الا سنة 2016 وهو ما يثير إشكاليات حولها.

وأكد البشروش ان الحركة الوطنية التونسية لم تطالب بالاستقلال ووصفها بالحركة الانضوائية ودعا الى ضرورة تقييمها وإعادة كتابة التاريخ اذا اقتضى الأمر وهو الطلب ذاته الذي فجرته هيئة الحقيقة والكرامة. ومن هنا نستشف أننا اليوم وربما أكثر من أي يوم مضى نحتاج الى حياد المؤرخ والى التزامه بالهم الفكري للنبش في الوقائع التاريخية بعيدا عن تأثير الفاعلين السياسيين.