الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



نقاط وحروف

نهاية الإعلام الثقافي وموت «الناقد» التقليدي


كمال الشيحاوي

مع بداية ظهور الصحف في العالم العربي، بداية القرن العشرين، لم يكن ثمّة صحفيون «محترفون» (فقد بعثت معاهد الصحافة في سبعينات القرن الماضي، تقريبا) وإنّما مجموعة من حملة الأقلام من الأدباء والمثقفين والمشايخ. وقد نهضت الصحافة المكتوبة خلال الفترة الاستعمارية وزمن بناء الدّول الوطنية في العالم العربي بدور حضاري هام في الدعوة للإصلاح في مختلف المجالات وكان للصحافة الثقافية فيها دور في احتضان الجدل الذي دار بين مختلف التيارات الفكرية المحافظة والمجدّدة في شؤون الدّين و الحضارة والأدب واللّغة ومختلف الفنون. واستمرّت الصحافة المكتوبة في القيام بهذا الدّور وتعاظم تأثيرها مع تطوّر عدد الصحف والملاحق والمجلاّت المتخصّصة التي باتت جزءا رئيسيا في تاريخ الثقافة العربية مثل مجلاّت «أبولو» و«الآداب» و«مواقف» و«الكرمل» إلخ. ولعلّ من العناصر المشتركة والثابتة في مختلف هذه الأطوار من الصحافة الثقافية هو «السلطة» التي آلت إلى المشرفين على مختلف هذه الدوريات وأشهر كتّابها والمحررين فيها. فقد كان النشر في كبرى الدوريات بمثابة الشهادة أو الاعتراف بقيمة الكاتب، ما يسهّل له المرور إلى نشر مؤلّفاته في دور النشر المعروفة.

ورغم وجود الإذاعات خلال هذه الفترة وظهور التلفزات في عالمنا العربي إلاّ أن سلطة و«سطوة» المشرفين على إعداد الصحف والمجلاّت الثقافية لم تضعفا، بل زادتا بانتقال معظم الوجوه والأسماء اللاّمعة في هذا المجال من الورقي إلى الإذاعي والتلفزي. ولم تبدأ الثورة التي أطاحت بهذه «السلطة» سوى مع انفجار المشهد البصري بالعدد الهائل من الفضائيات وانتشار الأنترنات وتعاظم دور الصفحات والمدوّنات والمواقع الإلكترونية وصولا إلى منتديات التواصل الاجتماعي «فايسبوك» خاصّة والتي قطعت آخر حلقات السلسلة القديمة، فلم يعد الفنان ومنتج الثقافة عموما محتاجا لاعتراف الصحيفة أو الإذاعة أو التلفزة بعمله وإنّما صار إذا جازت العبارة «سيد نفسه» إذ أتاحت له التكنولوجيات المتطوّرة أن يعلم عن إنتاجه في بوابة أو مدوّنة أو موقع أو صفحة على الفايسبوك وأن يتواصل مع قرّائه والمستمعين لفنّه أوالمشاهدين له بشكل مباشر ودون وسائط.

وقد تزامن هذا التطوّر وانعكس على واقع الصحافة التقليدية، المكتوبة خاصّة; فانحسر عدد الصفحات والملاحق والمجلاّت الثقافية المختصّة ودخل أغلبها في أزمات مالية حقيقية أنهت وجودها الورقي نهائيا ودفع بعضها الآخر للانتقال إلى النشر الافتراضي.

وما تتيحه ثورة المعلومات اليوم وإن أثر على نحو سلبي في الصحافة المكتوبة التي بدت أكثر هشاشة وعجزا عن متابعة هذا التطوّر خصوصا في مجتمعاتنا العربية التي تتراجع فيها نسب القراءة على نحو «كارثي» إلاّ أنّها لم تقطع حاجة الفنّانين والأدباء وغيرهم من المبدعين لتأثير التلفزة وخاصّة القنوات الأكثر مشاهدة. ويسجّل المتابع لهذا التطوّر أن القنوات الأكثر مشاهدة قد تخلّصت تماما من البرامج التقليدية في التعاطي مع المادّة الثقافية والتي كانت في أغلبها تعيد انتاج الشكل «المدرسي» الذي يتيح للمثقّف أن يواصل دوره كمدرّس، متعال، أمام جمهور من الطلبة والتلاميذ، لقد صارت المادّة الثقافية في هذه القنوات جزءا من مادة شاملة، استعراضية و«منوّعاتية» و«مشهدية» (نلاحظ ذلك مثلا في تونس في برامج مثل «180 درجة» أو «كلام الناس» أو «لاباس» على سبيل المثال لا الحصر) ولا يتم التركيز فيها سوى على ما يمثل أعلى درجات الاهتمام والإثارة، بل لطالما وقعت هذه القنوات على سطوتها وشهرتها في سطوة الأنترنات حيث تقوم بدعوة الفنان الذي حقّق نسب مشاهدة أكثر على اليوتوب...

إنّ تسجيل هذا التحوّل الحاصل ورصد مختلف مظاهره ضروري للتخلّص من الكثير من الأوهام وصياغة تصوّرات وأفكار جديدة لصحافة ثقافية أكثر نجاعة وتماشيا مع ما يحدث حولنا من تغيرات متسارعة. وهو ما ينبغي أن يكون موضوع ورشات وندوات فكرية في المستقبل.

وإن كان الكثير من المحافظين ولعلّنا نقول من «المستفيدين» من الأشكال القديمة يعتبرون أن هذه التحوّلات ستؤثر سلبيا على الإنتاج الثقافي، حيث سيسود الاستسهال والفوضى والتسرّع وهو ما نلاحظه حقيقة في ظهور الكثير من الانتاجات الأدبية والفنّية الضعيفة، بل الهزيلة والتي استفادت من ظاهرة النشر على الحساب الخاص، ما جعلنا أمام ظاهرة انتصاب فوضوي ثقافي بأتمّ معنى الكلمة. مع ذلك بل مع كلّ ذلك، نعتبر أن ما يحصل هو تحدّ حقيقي ونقدّر أنّنا نتجه معه نحو وضع أكثر معقولية ونجاعة، فمع التخلّص من الوسطاء «الوهميين» و«الإعلام الثقافي» الذي يحسب نفسه سلطة، تفرز الجيد من الرديء وينال ماديا مقابل ذلك ما يعزّز هذه السلطة، نمضي أكثر إلى حقيقة أن المبدع ذاته هو المسؤول الأوّل، دائما عن تطوير عمله وإتقانه وأن العملية الفنّية والابداعية هي عملية نقدية في جوهرها وفي كلّ العصور. وبقدر ما يسهر المبدع على تطوير ذاته مستندا لخبرته وقراءاته وتجاربه الذاتية يعمل الباحث على تطوير بحوثه وأعماله التحليلية في الجامعات ووحدات البحث المتخصّصة بما يعيد «النقد» إلى مكانه الطبيعي والحقيقي باعتباره، وكذلك كان دائما، نوعا من التواضع الرمزي الذي يتاح فيه في سياقات تاريخية لأسماء معينة اشتهرت بعلمها وخبرتها ومصداقيتها لتدلي برأيها وحكمها على أعمال فنّية، موسيقية كانت أو تشكيلية أو أدبية وسينمائية ومسرحية وغيرها. وغالبا ما يشترط لنجاح هذا الدور أن يحدث ضرب من الاتفاق/التواضع على أنّ فلان أو فلانة يمكن الاستئناس والاستدلال برأيه في تحديد قيمة هذا العمل الفنّي أو ذاك وهو ما يحدث على نحو بيّن في اللّجان التي تشرف على النشر أو تمنح الجوائز أو المنح وغير ذلك. وعلى أهمية هذا الدّور فإنه معرّض دائما لمخاطر عديدة ما يجعل شهرة الكاتب والفنان عموما متعلّقة دائما وأبدا بأثر عمله في الناس وفي التاريخ، تاريخ الفنّ.