الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



نقاط وحروف

ما بعد السياسة أو عن أفق التحركات العفوية والمقاطعة


بقلم: كمال الشيحاوي

عاش التونسيون كسكان محلّيين ومغلوبين ورعايا زمن الدولة الحسينية والاستعمار الفرنسي ثمّ كمشاريع مواطنين صالحين زمن الجمهورية الأولى و بناء الدولة الوطنية و تسلّطها «المستنير» مع أب الدولة العصرية «بورقيبة» ورئيسها مدى الحياة وخلال تلك الفترة بكلّ سلبياتها المتصلة خاصّة بالديمقراطية وحقوق الإنسان الفردية والاجتماعية كان للسياسة معان وطنية ونضالية صميمة ارتبطت في ستينات وسبعينات القرن الماضي بمشاريع التعليم والصحة والثقافة و التقدّم الحضاري ثمّ شهد التونسيون ونخبتهم خاصّة مع «بن علي» قتلا متدّرجا و رحيما إذا جازت العبارة للسياسة وتحويلها إلى مجرّد ديكور استعراضي لإدامة الشرعية لذات الحاكم الذي جمع لنفسه كلّ السلطات، ثمّ جاءت الثورة لتعلن عن استعادة التونسيين زمام المبادرة و بناء جمهورية ثانية تعيد لهم كرامتهم و للسياسة معناها الجوهري بما هي فضاء لإدارة الفضاء العمومي بين مواطنين متساوين في الحقوق يتداولون على انتقال السلطة بينهم دون عنف. ويمكن القول مع هذا التكثيف السريع لثلاثة قرون من تاريخ البلد أن التونسيين قد اكتشفوا خلال هذه السنوات التي تلت الثورة فيما بات يعرف بالانتقال الدّيمقراطي الكثير من إيجابيات و مساوئ الحياة السياسية والدّيمقراطية الحديثة.

وإن كانت الإيجابيات هي رصيد معظم السياسيين ومكاسبهم في تأكيدهم المستمرّ على نجاحنا في الاستحقاقات الدستورية و الانتخابية والانتقال من علاقات الخوف والتسلّط بين الحاكم والمحكوم إلى علاقات مبنية على الاحتكام إلى صناديق الاقتراع و التساوي أمام القانون بين مواطنين برغم الكلفة الاقتصادية والاجتماعية الباهظة لربح الاستقرار الأمني والاجتماعي فإن السلبيات هي مادّة التعليق اليومي لعموم التونسيين في مقارناتهم المريرة التي يقومون بها علنيا بين حالة الأمن ومعدّل أسعار المحروقات والمواد الغذائية ومختلف الخدمات قبل الثورة وبعدها.

وعلى أهمّية الإيجابيات التي يذكّر بها السياسيون المواطنين في تأكيدهم بأن الحرّية التي اكتسبوها هي الضامنة لهم للتأثير في التوجهات العامة لأية حكومة منتخبة الآن وفي المستقبل إلاّ أنها بدأت تفقد مع الأسف الكثير من ألقها وربّما مصداقيتها بين عموم التونسيين. ولعلّ أكبر دليل على ذلك الأسئلة الوجيهة التي بدأ التونسي يطرحها عن جدوى الانتخابات ومصداقية الخلافات السياسية بين الأحزاب والصراعات الإيديولوجية التي استنزفت الكثير من الوقت طالما أن الحكومات التي تداولت على السلطة لم تختلف جوهريا في طرق عملها وتوجّهاتها الاقتصادية والاجتماعية عن بعضها البعض. فجميعها تتحرّك في المنوال الاقتصادي ذاته وتمضي في الخطوات ذاتها التي يمليها علينا صندوق النقد الدولي وهو ما رسّخ لدى عموم التونسيين كما نخبهم وطبقتهم السياسية أن الخلاف اليوم لم يعد حول التوجّهات الاقتصادية والنمط المجتمعي والمنوال التنموي وإنما حول أشخاص وتيارات محدّدة في أحزاب سياسية بعينها تتنازع أحلام السيطرة على الحكم في أفق 2019. لقد بات الصراع سياسويا بالمعنى الشكلي الخالص وهو ما تأكد في الأشهر والأسابيع والأيام الأخيرة بصورة اهتزت معها مصداقية الكثير من الأطراف السياسية والاجتماعية أيضا.

ربما نحن اليوم في طور جديد من أخطر عناوينه هو موت السياسة في شكلها المكتشف حديثا لدى التونسيين وهو ما يفسٍّر استمرار العزوف عن الانتخابات والخوض في الشأن العام وتفاصيله واليأس من جميع الفاعلين السياسيين وحتّى الاجتماعيين من نقابات ومجتمع مدني. ولكن هذا الطرح الذي يعتبره الكثيرون سلبيا عدميا ومعبّرا عن سأم ويأس عابرين و ملائما لعودة الحالمين بالانقلابات وسياسة القبضة القوية يمثّل لدى عدد آخر من المحلّلين تعبيرا عن طور جديد من الاحتجاج والفعل هو بصدد التشكّل ويحتاج إلى مزيد العناية والتفكير خصوصا من قبل خبراء سوسيولوجيا السياسة والحركات الاحتجاجية الحديثة زمن التكنولوجيات الحديثة ومنابر التواصل الاجتماعي.

وضمن هذا الأفق يرى عدد من المتابعين لحركات الاحتجاج الجديدة التي تخرج عفويا من منابر التواصل الاجتماعي «فايسبوك» مثلا في مقاطعة الانتخابات أو بعض السلع أو الخدمات أو التظاهرات الاجتماعية الرسمية وغيرها تأسيس عصر «ما بعد السياسة»، و«ما بعد المجتمع» بمعانيهما التقليدية.

ويفسّر بعض المنظّرين هذه الأساليب الجديدة في الاحتجاج باعتبارها نتيجة مباشرة لاقتناع الطبقات والفئات الاجتماعية المتضرّرة بأن كلّ الطبقة السياسية باتت متشابهة وربّما متشابكة المصالح، بل حتّى النقابات التي يفترض أنّها المدافعة الأولى عن منظوريها باتت جزءا من ميكانيزمات السلطة والطبقة الحاكمة ذاتها أو التي ستليها في الحكم. وممّا رسّخ هذه القناعة رغم ما فيها من مبالغة بالتأكيد تهم وشبهات الفساد التي طالت أحزابا سياسية تقدّمية ونقابات كبيرة في بلدان عديدة في العالم ما أفقدها الكثير من مصداقيتها وأضعف منسوب الثقة فيها إلى حدّ كبير ويشار في ذلك إلى مآل الأحزاب السياسية في بريطانيا والدرك الأسفل الذي وصل إليه حزب العمال العريق فيها، وإلى الفشل الجماعي للأحزاب في إيطاليا بعد فضيحة الفساد التي تفجرت سنة 1992، وإلى أسباب سقوط الحزب الوطني الإفريقي في جنوب إفريقيا، وتراجع منسوب الثقة في الحزب الجمهوري والديمقراطي بأمريكا دون أن ننسى طبعا ما وصل إليه حزب نداء تونس في بلادنا وكيف تحوّل من حزب مخلّص وواعد إلى آلة يمكن أن تتسبّب في خراب الدولة والبلاد بحسب تصريحات رئيس الحكومة ذاته في خطابه الأخير للشعب التونسي حين حذّر من دور ابن الرئيس وتأثيره السلبي في دواليب الحكم وفي الحرب على الفساد.

لقد أبدت المجتمعات والدّيمقراطيات العريقة الكثير من التفهم والحرص على مواجهة اليأس من الحياة السياسة التقليدية و تأطير التحوّل السيوسيولوجي من سطوة الأحزاب والمنظّمات إلى نفوذ الجمعيات والأشخاص والحركات العفوية التي تخرج من الشارع والملاعب والساحات والفايسبوك وتقديرنا أنّ المجتمعات التي ما تزال تعيش طور الانتقال الدّيمقراطي مثل بلادنا تواجه خطرا أكبر ذلك أنّها وبحكم هشاشتها وضعف الثقافة المدنية والسياسية فيها مهدّدة بأن تتحوّل هذه التحركات العفوية غير المؤطّرة حتّى الآن إلى عنوان للفوضى سيخدم بلا شك أجندة بارونات التهريب والفساد والاقتصاد الموازي/الفوضوي وكلّ التنظيمات الخارجة عن القانون والدستور المتفق عليه والحالمة منها بالانقلابات وعودة القبضة الأمنية القوية الضامنة للاستقرار. أمر يستحق أن نفكّر فيه اليوم والآن وهنا قبل فوات الأوان وسقوط السقف على الجميع.