الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


تلوينات
في الجنوب التّونسي:

الثقافة لا تروّج وحدها للسياحة


روضة الشتيوي

مدينة توزر، حيث الصحراء والواحات والشلالات التي تلتقي في بعض مناطقها في مشهد يزخر بجمال طبيعي لا يضاهى، وأين تتشكل ملامح سياحة واعدة تنبع ممّا تتوفر عليه هذه الجهة من ثروات طبيعية وذاكرة تراثية ومخزون ثقافي مخصوص، ويتبدّى الجمال المتفرد المتأتّي من هبة الله لهذه المنطقة ومن عطاياه التي لا حدود لها لهذا المكان. هذه المدينة عانت كغيرها من المناطق السياحية التونسية بعد الثورة من تراجع عدد زوارها من السياح الداخليّين والأجانب ممّا تسبّب في إغلاق عدد كبير من نزلها ولم يتبقّ منها في الخدمة سوى أربعة نزل فقط، ولا يخفى علينا ما ينجرّ عن مثل هذه الوضعية من زيادة في عدد العاطلين عن العمل.

توزر، ورغم ما تعانيه اليوم من تراجع لسياحتها – التي بدأت تشهد مؤخرا بعض التعافي- تبقى تلك المدينة التي تحتوي على المقوّمات السياحية بامتياز، وتبيّن لنا خلال زيارة لها بمناسبة «مهرجان الجريد الثقافي والسياحي» الذي أقيم من 1 إلى 3 فيفري الجاري أنّ ما أهّلها لتكون إحدى أجمل الواجهات السياحيّة التونسية –شأنها شأن عديد المناطق بالجنوب التونسي- ظلّ قائما وما يزال على حاله وينادي صارخا بضرورة استثماره بطريقة مختلفة ومبتكرة.

توجد اليوم بعض المهرجانات في الجهة كما تعمل بعض الجهات والجمعيات على مزيد دعم الأنشطة والتظاهرات الثقافيّة هناك سعيا وراء دعم الحركيّة السياحية وبالتالي تنشيط الحركة الاقتصادية بها، ولا شك في أن هذه الجهود المتمثلة في المحافظة على مهرجانات عريقة، مثل «المهرجان الدولي للواحات بتوزر» و«المهرجان الدولي للواحات الجبلية بتمغزة»، أو في تأسيس مهرجانات جديدة مثل «مهرجان الموسيقى الإلكترونية» الذي تأسس سنة 2016 وينتظم في كلّ دورة في إحدى مناطق الجنوب التونسي وانتظمت دورته الفارطة (2017) بمدينة توزر والمولود الجديد المتمثل في «مهرجان الجريد الثقافي والسياحي» الذي انتظم مؤخرا في دورته التأسيسيّة، هي بمثابة المحاولات الجادة لتحقيق هذا الهدف المتمثّل في إعادة البريق والألق للمدينة وما جاورها من مناطق تابعة لها إداريّا من خلال العمل على مزيد تنشيطها حتّى تكون أكثر بهاء في عيون زوارها الوافدين عليها في فترة إقامة هذا المهرجان أو ذاك، أو الذين يقدمون إليها وقد تخيّروا فترة المهرجان تحديدا لمزيد الترفيه والاستمتاع.

هي جهود محدودة دون أدنى شكّ خصوصا ونحن نعلم أن الثقافة هي سبيل مواجهة كلّ شكل من أشكال التراجع والارتداد إلى الوراء وهي وسيلة لتغيير صورة البلاد وتلميعها وايلائها المكانة التي تستحق، والواجهة الحقيقية لها التي تعكس إمكانياتها التراثية والحضاريّة كما تعكس فكر أبنائها وانفتاحهم على الآخر وقدرتهم على الخلق والإبداع. ومع ذلك تبقى هذه الجهود منقوصة ما لم تتعامل الدولة بمؤسّساتها مع ما نملك من مخزون تراثي ومناظر طبيعية خلابة مثل التي تتوفر في جهة الجنوب بصفة عامة، وجهة توزر التي نحن بصدد الحديث عنها مثال على ذلك وهي التي شهدت مولد أبي القاسم الشابي وألهمته أولى أنفاسه فيها شعرا كتبه واختارها المخرج العالمي جورج لوكاس لتصوير مشاهد من الجزء الأول من فيلمه الشهير «حرب النجوم» وتحديدا في «عنق الجمل» التي ذاع صيتها عالميّا بعد هذا التصوير.

عندما يتجول زائر توزر في قرية الشبيكة مثلا أو قرية تمغزة ينبهر بسحرها وبجمالها ويتساءل في نفس الوقت عن عجز كلّ هذا السحر وهذا الجمال عن أن يجعل من هذين المكانين وجهة سياحيّة عالميّة كما يحدث في عديد البلدان العربيّة والأجنبيّة التي تستثمر مواطن الجمال الطبيعي والمخزون التراثي والثقافي في قراها الصغيرة وتجعل منها وجهات سياحيّة شهيرة، لها وزنها وصيتها. أعتقد أنه آن الأوان للتفكير جديّا في الأمر وفي إمكانيّة الاستثمار في هذه المناطق وغيرها من التي تتوفّر فيها كلّ مقوّمات المكان السياحي بامتياز بطريقة متطورة تقطع مع الأساليب الفلكلوريّة القديمة التي عهدناها ولم تعد تأتي أكلها.