الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



على وزن الريشة

فوضى الكتابة الخلاّقة مع توفيق بن بريك


حسن بن عثمان

ـ (أنا مثل أب روحيّ لعصابة مافيا في سجن صقليّ. ذلك أن أجهزة المخابرات في بلدي بإمكانها أن تفعل ما تريد: أن تراقبني وأن تحبسني وأن تقتلني، إذا أرادت ذلك. وما أراهم تحاشوا ذلك إلاّ لأن محصّلة اللعبة لا تستحقّ مثل تلك المخاطرة. لستُ سوى سجين لأهوائهم. لديهم كل الوقت قبل أن يدفعوني إلى تسديد ثمن أفعالي. أنا على ذمّتهم. وماذا عن الشهرة؟ لست أهتمّ لها. ثم إن هذه الشهرة هديّة أهدانيها «بن علي» يوم تحدّث عنّي. وإذا كان التونسيون سمعوا باسمي وواصلوا الحديث عنّي، فلأن «الباي» الذي يحكمهم أشار عليّ. هذا هو سرّ شهرتي، وأنا مدين له به، بهذا الحادث العرضيّ في التاريخ الذي لن يحدث مرّة أخرى.)

الصفحة 125 من كتاب «اللصّ» لتوفيق بن بريك.

 

لم يكن ممكنا قراءة كتاب «اللص» في لغته العربية لولا ما حدث في تونس من ثورة في التعبير سمحت بترجمة كتاب توفيق بن بريك ونشره في سنة 2018، وهو الذي كُتب و نُشر باللغة الفرنسية سنة 2004، ولم يكن ممكنا ترويجه في تونس، أو غيرها من البلدان العربية، قبل الثورة، في ذلك العهد، عهد التغيير، عهد فجوة المعلومات، وما كانت تعانيه البلاد من الاحتيال في الكتابة والتعبير والتلميح والنشر وتبادلات الإشاعات، عوض المعلومات، الإشاعات عن حياتنا الاجتماعية والسياسية والأدبية وما فيها من لصوص وسرّاق المباني والمعاني، وتبادل الإشاعات عن توفيق بن بريك الكاتب الصعلوك الذي أعلن العصيان وصار يهاجم النظام القائم بكل وقاحة كتّاب الدنيا، القدامى والحداثيين، الذين يشتق منهم عباراته ومعنى انشقاقه، ويمارس مع أدبهم اللصوصية ويسطو على ما يعجبه من أبطال نصوصهم.

 

على سبيل الاحتفاء بكتاب «اللّص» نكتب هذا النص، كشكل من أشكال التمارين على مطالعة المتاهة التي احتواها كتاب توفيق بن بريك، مطالعة شاقة بلا صفاء ولا مهادنة، دون أن تخلو من متعة شريرة، فاتنة، مراوغة، سفيهة وبلا قاع، في كتابة متلاعبة ماكرة تعرف كيف تجرّح الذات الفردية والجماعية بإمعان، وهذيان ساحر، فيه أقباس مضيئة، من هنا وهناك وهنيك، محتشد بالأسماء والإحالات. وسنتوخى في ذلك عدم الصداقة لمعرفتنا المباشرة بالكاتب ومجالسته وتبادل أطراف الحديث المريب معه، أو غير المريب، على قهوة ما، وهو مدجج بسجائره وأدويته وحرّاسه وحارساته وخدّام المكان، وطالبي الخدمة من نفوذ جلالته في كل حين وآن...

في مسألة الصداقة جاء في كتاب اللصّ:

ـ الصديق، يحتاج أن تستثمر فيه، أن تفكّر فيه وإن لم يفكّر فيك. أن تكون موجودا حين يحتاجك. وأن تكون قريبا جدّا منه. الصديق هو مصّاص دماء. من كل الأصدقاء، لم أحتفظ إلا بأقلّهم تكلفة: «شوقي الطبيب»، محاميّ الخاص ورفيقي منذ أربع وعشرين سنة... صفحة 101، (مع حساب الفارق الزمني بين المنشور الفرنسي والمنشور العربي، ملاحظة ضرورية).

أنا، لست صديق توفيق بن بريك ولكنني مبارز له في ميدان الكتابة، ومغرم بالكتّاب المبارزين الذين لا يشقّ لهم غبار النثر، وأحاول دائما أن أشقّ نثرهم وغبارهم لمعرفة كيفية خوضهم لمبارزة الكلمات والحروف وخلق الحكايات المشوّقة في الحروب الباردة والساخنة، ومستوى ارتفاع المعنويات ومهارة التسديد.

فالحروب لم تحدث في التاريخ، لولا الكلمات وخلود الكتابة، والمبارزة بين الكتّاب المحاربين.

 

يتبدّى توفيق بن بريك عملاقا في صورته وفي مسيرته وفي صراعه الفرعوني مع نصوصه الممتنعة، سليلة البلاغة النادرة من كثرة تدحرج الكاتب وهو يكتب ويتأوه من ألم الكتابة ومخاضها، وله شعور قاتل بأن كتابته مجهضة ودائما هي في مهبّ الريح، ومع ذلك تجود له الكتابة، أحيانا، بفقرات شديدة الإشراق والإبهار. ومن ذلك قوله في الصفحة 25 من اللصّ:

ـ اللص هو قاطع طريق مجبر على بناء متاهات وهمية بحركات مسعورة، وبالنسبة إلى سارق الفقرات هذا، ما الحياة إلا وهْمٌ، والأوهام تظلُّ أوهاما.

كيف لنا أن نخترع في كون لا جديد تحت شمسه من زمن «سليمان»؟ بإمكان اللص أن يقول أفضل من ذلك: «أنا أقوم برسكلة ما هو موجود، لا أخترع شيئا، ولا أعتقد أن الأمر على هذه الدرجة من السوء».

 

يمكنني أن أنذر ما تبقى من عمر الكتابة عندي للبحث عن توفيق بن بريك، زمننا الضائع المضحك في كآبته وكتابته، فأنا طويل البال في الرواية، ولست مثل الشاعر التونسي الراحل محمد الصغير أولاد أحمد، الذي قال أنه يخاف من كتابة الرواية، فالرواية طويلة جدّا ودربها صعب يموت فيها الكاتب قبل موت البطل، والشاعر يرغب في السرعة لا في الموت البطيء، وتوفيق بن بريك بطل من أبطالي في الكتابة ونجومها السريعة والبطيئة، وبعيدة المنال.

ومن روعة الكتابة ومآسيها أنها عدوى، تصيب القرّاء بعدوى الكتابة، وهي عدوى لا يمكن التخلّص منها، فهي تسكن في مفاصل الوجود البشري، وتجعله يحاول القراءة، لأن القراءة هي الحلّ الوحيد الأوحد للمعرفة في عزلتها، فلا معرفة بلا قراءة، قراءة الأشياء وقراءة الكلمات والرموز والعزلة، وتوفيق بن بريك مكتظّ بالقراءة التي تعوقه كثيرا في بناء سرديته الخاصة، وهو ينوء تحت أثقال الذاكرة الموزعة بين الكتب وبين الوقائع، ولا تعرف كيف تحسم أمرها وخيالها، وكيف تستهلك مراجعها دون نباح...

ـ اقرأ...

ـ سأقرأ باسم من؟

اقرأ باسم مقلّب القلوب

أو اقرأ باسم الله الرحمان الرحيم

أو اقرأ باسم الحمار الذي يحمل أسفارا

أو اقرأ باسم الأنا في مرآة الذات التي تتعرّف على عزلتها، وقل «ما أنا بقارئ»...

 

لذلك سأصاحب كتاب «اللصّ» لتوفيق بن بريك، الذي نشرته دار «مسكلياني» في طبعته العربية الأولى 2018، فكتاب «The Plagieur» المترجم للعربية بعنوان: «اللّص» لـ Taoufik ben Brik نشر سنة 2004، في دار نشر فرنسية اسمها: «Exils éditeur».

أنجز الترجمة الشاعر والإعلامي وليد أحمد الفرشيشي، وراجعها مدير دار الجنوب، صاحبة سلسلة عيون المعاصرة، الشاعر رمزي بن رحومة، ودار الجنوب هي من نشرت كتاب توفيق بن بريك، الذي نحن بصدده، في طبعة تونسية بعد طبعته الفرنسية الأولى سنة 2004 بعنوان جديد: « Le Bandi» وصنّفته في جنس «roman»، مثلما صنّفته دار مسكلياني في طبعتها العربية الأولى بأنه «رواية»

 

أقرأ كتابات توفيق بن بريك لأمرض، لا لكي أشفى من الكتابة، حتّى أشهد تدمير بنيان الكتابة، وكيف تصبح الكتابة الجديدة أشلاء ساخرة من تماسك الكتابة، ولصوصية معلنة ومضمرة، وكيف لا يكفّ البناء السردي عن سلوك الثعبان وزحفه السريع والتفافه على فريسته.

ثمة كتب دائما تتحدّانا بلغتها المُلغزة وظلالها تحت الشمس، وضلالها في المسالك والعتمة، وأتمنّى ألاّ اختصرها ولا أن أنهي مطالعتها، حتى تظلّ معلّقة في الذهن بلا نهاية، دون أن تطوى صفحتها الأخيرة وتوضع في الأرشيف. إن لدغة الكتب الأمهات، كالأفاعي، نواصل الاستمتاع بسمّها، كلّما كان سمّها ترياقا صبورا، مستبسلا، ومميتا، لا يقتل من الوهلة الأولى، ولا نرغب في النهاية والتمام منه، متسلحين بالكتابة، تميمتنا في التمائم من سطرها الأوّل إلى سطرها الأخير، الذي وصلنا إليه، قبل نقطة النهاية في الكتاب المكتوب، أو «الوعد والموعود»؟

 

تجنيس كتاب توفيق بن بريك في جنس الرواية غير موفّق، ربّما؟، فالرواية في مختلف تعاريفها هي حكاية لها عقدة، تُربَطُ وتُحلُّ، يتداول على ربطها وحلّها شخص أو عدّة أشخاص في المتن السردي، وهي قرينة الديمقراطية وتعدّد الأصوات وبناء المسارات وإقامة معمار الحكاية، في تعريفها الغربي وليس العربي وحكايات ألف ليلة وليلة، وهذا ليس شأن توفيق بن بريك الذي يكتب شتات الخرافة بخوفها وكهوفها في صميم الذات ويختار الملحمة والنشيد وهو يلقي بكامل مأساته أو ملهاته على طبق فاخر من التعابير، دامع العين، وساخر في أحيان نادرة، وهو لا ينفكّ يشكو ويتوجّع ويحتال ويلعن الكتابة كمصير ممتنع لـ «رجل مشطوب الكلمات»، يشعر «بالإخفاق ينشب أظافره فيّ ويتعلّق بي كما لو كان قطّا يقاوم الغرق» يكتب «للص واللصوصية»، ويكتب «اللا وعد واللا موعد» ص126...

كتاب «اللص» من جنس الكتابات التي بلا جنس، تلك التي تخترق كل الأجناس والرسميات، وتتعلّق بالمطلق وبما لا يُضاهى في كتابة الإشارات والتعاليم والشعائر، في الكتب الرسمية المتداولة، ورسوخ الوحي المتجدد في التعابير وابتكار مصادر الوحي في الكتب المتداولة، الراسخة في التداول كعملة صعبة لها بورصة دائما تنمو، وبن بريك ليس له في السوق ما يذوق، في سوق بورصة الكتب والكتّاب العالميين الذين يطبعون كتبهم بمئات آلف النسخ، ويقبل عليهم القرّاء لأن سلعتهم رائجة في السوق. أما بن بريك فهو لا يرجو من كتابته سوى أن تسعفه برمق لمواصلة العيش، بعدما تعرّف مباشرة أن العيش من الكتابة عبارة عن لعنة لشخص أشرف على ذرى الكتابة والكتّاب من أصحاب الشهرة.

نقرأ الكثير من العبارات المتوهجة، شديدة الشكوى من استحالة الكتابة بما هي دهشة متجددة أو شهوة ساحقة، أو بما هي رغبة في أكل العيش من الكاتبة، أو في طلب الشهرة والثراء من الكتابة، أو في الافتتان بما كتبه الكتّاب وصوّره المصوّرون ومسرحه المسرحيون وسنمنه السينمائيون، في محاولة التشبّه المستحيلة بما أنجزوه، وصار من تاريخ ذاكرة الكتابة وقلاعها الشاهقة التي يصعب الوصول إليها، وتتحدّى قدرات البشر الذين يلهجون بمعجزات الكتابة وفنونها وأديانها، البشر الذين في فنائهم يعجزون عن تخيّل الخلود، وبقاء ما خطّوه مخطوطا في ذهن أبد الآبدين، فتنة اللاحقين وتعجيزا لهم...

 

جاء في الصفحة 111 من كتاب اللص:

ـ أنا يا «علي» أعاني من أجل صياغة فقرة قصيرة. يجب أن أعمل بجهد سينيغالي حتّى أتمكّن من كتابة مقال، ليُطلب منّي بعد ذلك أن أراجعه حتّى أجعله أكثر حياة وأقلّ مباشرتيّة، كي يكون مقالا واقعيا. ومعنى ذلك أن العظام موجودة باستمرار ولكن ينقصها اللحم والقِطعُ الجيّدة، «الهبرة».

***

لو كنت ناشرا لوضعت تعريفا لكتاب «اللص»:

ـ (اللّص/كتاب يصلح للقراءة المباشرة)... ويمكن تعميمه على جميع القراء، وخصوصا من الناشئة الذين يبحثون عن معنى لحياتهم في الأدب وتثقيف النفس، بالإطلاع على أحوال النفوس صاحبة الخبرة والتجربة والمرارة تتقاطر، كأنها لؤلؤ ومرجان، على اعتبار أن اللؤلؤ يتكوّن في جوف الصدفة تسقيه بدموعها. فبأي آلاء ربّكما تكذّبان؟

 

لست ناشرا ولا صاحب قرار وإنما قرأت كتاب «اللص» باللغة العربية، وكنت أعود لنسخته الفرنسية الصادرة عن دار الجنوب، لأتثبّت من الهوامش، وصرت واثقا من الترجمة ومن الصياغة المسبوكة، كأن الكتاب كتب في الأصل بلغة عربية فصيحة، فصاحة الترجمة ذات العيون غير الخائنة لما يقوله اللسان... لسان توفيق بن بريك وصوته الحاضر في حيرته التي في لسانه وكيف يلوك الكلمات علكته القاسية.

الشكر واجب للشاعرين وليد أحمد الفرشيشي ورمزي بن رحومة على شاعرية الترجمة وتحويل كتاب فرنسي إلى كتاب عربي لكاتب تونسي دون التضحية بروح اللصوصية التي في الكتاب، وهي لصوصية من المهارة ومن النباهة ومن سرعة البرق، بحيث يغيب أثرها عن كل عين غير متيقظة.

 

هذا على الحساب حتّى أقرأ مقدمة «اللص» التي كتبها المفكر الفلسطيني الأمريكي، ذائع الصيت، ادوارد سعيد، فقد تفاديت قراءة مقدمة ادوارد سعيد لكتاب توفيق بن بريك المنصوص عليها في الغلاف، حتّى لا أقع تحت سطوة أستاذية إدوارد سعيد ومنزلته العظيمة في الكتابة، وحتّى أنأى بمطالعتي عن توجيه القراءة وتحديد الوجهة والتذوّق، وادخرت تلك المقدمة لكي أعيد على ضوئها قراءة ما قرأت من كتاب اللص للبحث في كيفية الاحتيال وقت تأليفه. فاللصّ هنا ليس سارقا ولكنه محتال ويحترف السطو، ينشر الفوضى ويعرف كيف يجعلها خلاّقة، بلا مثيل في صناعة كتاب، بلا مثيل، من جهة نوعية التأليف وفرادته في المؤلفات، والاستنتاج قابل للمراجعة، رغم أن هذا ليس إطراءً، فالفرادة هي شذوذ، وأغلب الناس يكرهون الشذوذ كرههم للفرادة، وإطراء للفرادة...

يا «علي»، و»علي» هذا، هو اسم ابن توفيق بن بريك، الذي يحضر في الرواية كطفل المناجاة، ساعي بريد لبرقيات والده، أما «بن علي» فهو اسم الرئيس التونسي الأسبق الذي يحضر في الكتاب كدراجة هوائية لساعي البريد في كتاب اللصّ، أو يحضر كطاغية يهيمن على مشاعر الكاتب وخياله، الكاتب الذي يحشد عصابته من المعارضين لمحاربة الرئيس والإطاحة به بكلمة ساحرة...

 

للحديث صلة مع فيلسوف الزمن العربي الحديث إدوارد سعيد، المبرّز الأكبر في خوض المعارك الفكرية العالمية دفاعا عن الذاكرة المضطهدة وإدانة الاستعمار والاستشراق، في تقديمه لكتاب اللص لتوفيق بن بريك، الذي سنبادر بالإطلاع على مقدمته، التي هي ركن ركين من أركان الكتاب، ومن عتباته الأصلية، التي تجاوزناها لضرورة اللقاء، وجها لوجه، مع المبارز الأدبي توفيق بن بريك، عاريا من التقديم والتأخير والوسائط، للتعرّف المباشر على فوضى كتابته الخلاّقة.