الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



نقاط وحروف

عن «شيطان القايلة» وعن ربيع السينما التونسية وخريفها أيضا


كمال الشيحاوي

مثّل التتويج الدّولي الذي ناله فيلم «نحبك هادي» لمحمد بن عطية بفوزه بإحدى أكبر جوائز مهرجان برلين الدولي في دورته السابقة والنجاح الجماهيري الذي حقّقه كلّ من فيلم «على كف عفريت» لكوثر بن هنية وخاصة شريط «الجايدة» لسلمى بكار في قاعاتنا السينمائية هذه الأيام عناوين بارزة لما اصطلح عليه مجازا بـ«ربيع السينما التونسية» ورغم الإقرار بأن البنية التحتية للسينما التونسية ما تزال متواضعة من حيث ظروف وإمكانيات الإنتاج والتوزيع وضيق السوق والتراجع اللاّفت، بل الصادم لعدد قاعات السينما إلاّ أنّ نسق الإنتاج السينمائي شهد تسارعا «كميا» في السنوات الأخيرة.

وتطرح هذه المفارقة سجالا مثيرا في الوسط السينمائي التونسي بين طرفين يؤكّد الأوّل أنّ تكثيف الإنتاج اختيار وسياسة صائبة في كلّ الأحوال على اعتبارها عنصرا مساعدا في تحسين مستوى الأفلام المنتجة، كما حدث في تاريخ البلدان المتطوّرة في هذا المجال بينما يشير الطرف الثاني باستغراب إلى وجود مفارقة غريبة بين كثافة الإنتاج وتهرئ البنية التحتية للسينما التونسية في بلادنا، متسائلا عن المستفيد الحقيقي من ذلك ومآل الدعم العمومي الذي يذهب لأفلام لا يشاهدها التونسيون بكثافة؟

لنترك عناصر هذا السجال تنضج بشكل أكبر ولنتجه الى ما قصدنا التعليق عليه في هذه الورقة وهو شريط «شيطان القايلة» لمخرجه «معزّ كمون» الذي قدّم في سهرة الجمعة 5 جانفي الفارط لعموم الصحفيين وأهل الثقافة والذي سينطلق عرضه التجاري خلال هذا الأسبوع. وهذا الشريط الطويل هو الرّابع في رصيد المخرج من الأفلام الطويلة بعد «كلمة رجال» و«آخر ديسمبر» و«حرّة» على اعتبار أن للمخرج رصيدا من الأفلام القصيرة.

يفضّل «معز كمون» في الشريط الثاني «آخر ديسمبر» كما في شريطه الأوّل «كلمة رجال» المقتبس عن رواية حسن بن عثمان «بروموسبور» السرد السينمائي القصصي الواقعي الملتزم بالواقع التونسي. إنّه مخرج يحبّ رواية الحكايات، ويبدو قريبا من الموجة النيوكلاسيكية في السينما التي عادت لرواية الحكايات ولكن برؤى فيلمية مختلفة طبعا. مخرج ملتزم بالمعنى الرحب لمفهوم الالتزام، منشغل بشكل واضح بما يحدث في المجتمع التونسي، بما يطرأ عليه من تغيّرات، يتأمل مساره وقضاياه وأسئلته من خلال شخصيات يتعامل معها بكثير من الحبّ والإعجاب، يتابعها ويسجّل تحوّلاتها ومساراتها بحرص كبير ومفرط أحيانا على عدم الإخلال ببنائها. إنّه مخرج يكتب بحساسية روائي، يحرص على كلّ التفاصيل المتعلّقة ببناء شخصياته. وقد ختمنا مقالنا المنشور في جريدة «الصحافة اليوم » بملاحظة رئيسية تقول: إنّنا مع معزّ كمّون أمام مخرج جاهز تقنيا وناضج فنّيا لصناعة الأفلام، وقد استفاد كثيرا من عمله مساعدا لعديد المخرجين التونسيين والعالميين ولكنّ عيبه الوحيد في تقديرنا أنّه مشدود جدّا للبناء الرّوائي في الكتابة السينمائية وهو مركب صعب، يهدّد الفيلم بالسقوط في الرّتابة إذا لم يعرف المخرج كيف يكثّف إيقاعه ويختزل أحداثه وينتقي مشاهده. ومع كلّ ذلك فإن الشريط جدير بالمشاهدة والمتابعة وهو بحقّ إضافة مميّزة للسينما التونسية.»

ولعلّنا مضطرّون بكل أسف إلى تكرار الملاحظة ذاتها ونحن نعلّق على شريط «شيطان القايلة». فالفيلم فيما حلم به وهفا إليه وأراده بناء روائي مترابط يطرح بجرأة نقاط التداخل المثيرة بين عوالم المقامرين: المقامرين بالمال وبالكنوز وبالنساء وبالحياة وبالدّين أيضا. يتنقل في المكان بين شمال تونس بشوارعها وشواطئها ومنازلها التقليدية وجنوبها بقراها وصحرائها ومنازلها الجبلية ويقدّم لنا في كلّ ذلك شخصيات تعبّر وجوديا وروحيا واجتماعيا وحضاريا عن يأس قاتل من أية قدرة على إحداث تغيير فعلي في حياتها ما يدفعها إلى التعلّق والإدمان على وهم المقامرة والبحث عن الكنوز والشعوذة التي يمكن أن تمنح الثروة والسعادة.

لا زمان لهذه الشخصيات والأحداث ولا دليل على أنّنا قبل الثورة أو بعدها فكأن ما يحدث هو نتاج لوضع حضاري وروحي مريض لمجتمعات يائسة تبحث عن الثروة في كنوز الماضي المخبأة. ومن هفوات هذا الفيلم القاتلة في تقديرنا، فضلا عن ضعف الترابط الذي لم يصل إلى حدّ الحبك القوي والقادر على توليد الدّلالات وتنويعها، وجود الكثير من المشاهد والمواقف التي كان من الممكن حذفها وتباطؤ إيقاع الفيلم بالإضافة إلى الحوار بين الشخصيات الذي كان محدودا ومقتصدا ومتردّدا ومتلعثما في مشاهد ومواقف درامية كان يفترض أن يرقى الحوار فيها إلى ذرى عالية في التعبير.

ورغم كثرة الأماكن التي صوّرها الفيلم «شواطئ، شوارع، دار عربي، صحراء، قرى جبلية ، كهف» فإن زوايا التصوير لم تكن مميّزة مع أن هذا التنوّع يسمح بذلك. كان يمكن لإيقاع الفيلم الرّتيب أن يكون مقبولا أو مبرّرا لو اقتصر التصوير وأحداث الشريط على الجنوب التونسي، فللزمن في الصحراء إيقاعه الخاص. وكان يمكن للفيلم أن يعلو في دلالاته السياسية والإيديولوجية لو كانت لرجل الأعمال الغامض والمقامر والمشبوه (قام بالدور «علي الخميري») علاقة بمافيا البحث عن الكنوز والاتجار بها ولكن ذلك لم يحدث، ولم تتمّ الإشارة إليه ولو من بعيد، وكان يمكن وكان يمكن.....

لا شكّ أن في ملاحظاتنا الكثير من القسوة على شريط «شيطان القايلة» وعلى كلّ ستظهر الأيام القادمة من العرض التجاري للشريط في القاعات مدى صحتها مع أنّ سوء تقديرنا ونجاح الفيلم تجاريا سيكونان من أسباب سرورنا، فهل ينجح ؟