الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



نقاط وحروف

شخصية «البوليس» بين المسرح والدّراما التلفزية والسينمائية


بقلم: كمال الشيحاوي

بقيت صورة «الأمني/البوليس» لفترة طويلة محكومة في معالجتها الدّرامية في معظم الأعمال المقدّمة تلفزيونيا في بلادنا بوجهين رئيسيين فهو إمّا شخصية متسلّطة ظالمة حين يتقمّص دور شرطي الإدارة الاستعمارية مثلاً، (نتذكّر مثلا مسلسل «غادة» أو مسلسل «قمرة سيدي محروس») أو شخصية حازمة وحريصة على تحقيق الأمن والعدل في معظم الإنتاجات التونسية التي قدّمت قبل الثورة، وقد كان الأمر مفهوما بل مطلوبا في ظلّ نظام كان رئيسه «بن علي» رجل أمن أحكم قبضته البوليسية على البلاد وجعل من قصّة «الاستقرار الأمني» أهمّ مصادر شرعيته وأعظم مفاخره ومنجزاته. ويمكن القول أن دور «فتحي» مدير السجن في مسلسل «شورّب» (بثّته قناة التاسعة) الذي قام بأدائه الممثل «جمال المداني» قد قدّم للمرّة الأولى «تلفزيونيا» صورة مختلفة وصادمة بعض الشيء، فالرّجل المؤتمن على مؤسسة سجنية والذي يفاخر بتاريخه النضالي والحزبي خاصّة هو المسؤول الأوّل عن شبكة ترويج المخدّرات، داخل السجن وخارجه، بما يضيء صورة من دور الأمن الفاسد في صناعة الانحراف وإدارته والانتفاع به.

وإن كان حجم الرّقابة المسلّط من كلّ جانب وخصوصا من قبل السلطة وممثليها في التلفزة على الانتاجات الدّرامية التلفزيونية قبل الثورة هو الذي يفسّر طغيان هذه الصورة النمطية إلاّ أنّ ذلك لم يمنع عددا من السينمائيين والمسرحيين التونسيين من أن يتجرؤوا على كسر هذه الصورة واقتراح صور أخرى كانت صادمة ومثيرة لشخصية «البوليس»تجاوزوا بها معالجات سطحية وإيديولوجية ظلّت تعيد إنتاج نموذج قار وسطحي لهذه الشخصية المركّبة. ونشير مثالا لذلك إلى ثلاثة نماذج نقدّر أنها شكّلت نقلة نوعية في مقاربة الشخصية البوليسية أو الشخصية المنتمية إلى قطاع الأمن عموماً، وهي شريط «الحادثة» لرشيد فرشيو، وفيلم «سيني تشيتا» أو «7 شارع الحبيب بورقيبة» لإبراهيم اللّطيف، ومسرحية «خمسون» للفاضل الجعايبي وقد قدّمت هذه الأعمال في فترات متقاربة زمنياً أي بين سنتي 2008 و2009 .

نتعرّف في مسرحية «خمسون» نص جليلة بكار وإخراج الفاضل الجعايبي، والتي عرضت في تونس وفي عديد البلدان العربية والغربية بين سنة2007 وسنة 2009، على وجوه مختلفة للبوليس السياسي (الذي يحقّق في حادث إرهابي) ومن أبرز هذه الشخصيات الأمنية في المسرحية والتي بقيت حيّة في ذاكرة كل من شاهدها «شخصية» قدوّر (قام بالدور «جمال المدّاني») عون سابق في سلامة أمن الدولة تكشف إجاباته القناع عن شخصية الجلاّد كما تصنعه أجهزة الأمن في الأنظمة ذات الطبيعة القمعية، وكلّ نظام في العالم يواجه معارضيه في الرأي والسياسة بأساليب التعذيب المروّعة والمهينة للذات الإنسانية، شخصية شبه أمية بمستوى تعليمي متدن جدّا، تمّ غسل دماغها بطريقة تجعلها إلى الآلة أقرب، مبرمج لتنفيذ الأوامر بشكل أعمى، هكذا تريده أجهزة الأمن في الأنظمة القمعية، حتّى لا تأخذه رأفة بمن يعذبهم، وحتّى يقوم بعمله كوظيفة عادية، ليعود فيما بعد إلى زوجته وأطفاله دون أي شعور بالذنب. «قدور» ورغم تقاعده من الخدمة وتغير النظام السياسي في تونس، إلا أنّه لا يشعر بأية عقدة ذنب، لقد كان ينفّذ الأوامر، كما يقول مؤكّداً على أنّه مجرّد موظّف، ينفّذ أوامر رؤسائه بإخلاص، وأنّه من ثمّ ليس طرفاً في أي صراع أو خلاف سياسي، فقد قيل له أن هؤلاء هم أعداء الوطن والنظام وأنهم مخربون ولا بدّ من تأديبهم.ونتابع في شريط «الحادثة» لرشيد فرشيو (تمّ عرضه التجاري في القاعات التونسية سنة 2008) أنّه وإثر حادث مرور يسلّم «فارس» (قام بالدور محمد علي بن جمعة) نفسه لأحد مراكز الشرطة وذلك بعد نقل المصاب إلى المستشفى، وباعتبار الإجراءات المتبعة في مثل هذه الحالات، فقد تم الإبقاء على مرتكب الحادث حفاظاً على سلامته. يتوسل «فارس» ضابط الشرطة المكلّف أن يطلق سراحه على أن يعود في الصباح لإتمام الإجراءات (متعلّلا بظرف عائلي طارئ، والحقيقة أنّه ترك صديقة في بيت الزوجية، كان قد تعرّف عليها صدفة مستغلاً غياب زوجته) إلا أن الضابط المكلّف، قام بالدور «يونس الفارحي»، يصرّ على إبقائه، ويظهر في تعامله معه الكثير من الحزم والغلظة، ويتعمّد إهانته، والتشكيك في أخلاقه مشبّهاً إياه في عمله (وهو سائق سيارة أجرة) بالمومس، وبدا عليه أنه يستمتع بعملية الإهانة، ممّا يرجّح أنه يعاني من خلل نفسي كبير، على اعتبار أن المتابع لوقائع الفيلم لا يجد أي مبرر لهذا السلوك الذي يتناقض مع طبيعة دوره كموظف مهنته حفظ الأمن وتوفير السلامة للمواطنين، (فحادث المرور تم عن غير قصد، ولا يبدو على السائق أنه في حالة سكر مثلا، فهو شخص مهذّب كما تؤكد ملامحه، فضلاً عن كونه متعلّماً، ومتحصلا على شهادات جامعية كما أفاد بذلك). وبهذه المعالجة الدرامية بيّن المخرج وكاتب النص «رشيد فرشيو» بما لا يدعو إلى الشكّ أن شخصية هذا الضابط تعاني من نزوع مرضي إلى الإفراط في استخدام القوة، دلّ على أنّه يعاني من احتقان نفسي مجهول الأسباب، باستثناء بعض الإشارات الدّالة في الحوار على أن الضابط غير راض عن وظيفته (كان يطمح إلى وظيفة أرفع)، فهو يحاكم سائق التاكسي، قبل التحقيق والتثبت من وجود قصد في الحادث أو إهمال، بل يعامله على أساس أنه قد تعمّد وقوع الحادث دون أن يكون له دليل على ذلك، وقد تبيّن فيما بعد في وقائع الشريط أنّه يفعل ذلك لابتزازه مادياً. ولم يقصد المخرج إعطاء صورة سلبية وقاتمة عن أعوان الأمن وممثلي السلطة التنفيذية، بدليل أن رئيس مركز الأمن (الذي لم يكن له علم بالإيقاف التحفظي) قد سمح لـ «فارس» بالعودة إلى المنزل وعامله بطريقة متحضرة ولكنّه أراد أن يقدم معالجة مركّبة لشخصية الضابط، فقد تبيّن في نهاية الفيلم أن المرأة التي وجدها سائق التاكسي حزينة وهائمة، (قامت بالدور «سناء كسوس») مفتقدة للحنان والحب راغبة في رجل يبادلها الاحترام والحب، والتي تجرأت على مرافقته إلى البيت، هي زوجة ذلك الضابط المضطرب والعدواني. مفاجأة ميلودرامية ربّما لكنّها أبرزت بجلاء أن القوة والغطرسة اللتين مارسهما الضابط لا تدلاّن سوى عن شخصية هشّة ومضطربة ومريضة، كان من نتائجها مغادرة زوجته البيت بغير هدف، وبحثها عن رجل يعوّضها الحنان والعطف اللذين افتقدتهما مع زوجها المتعجرف. ونجد أنفسنا في شريط «سيني تشيتا» لمخرجه إبراهيم اللّطيف (والذي تمّ عرضه في القاعات التجارية بتونس في ربيع سنة 2009) أمام كوميديا بوليسية، تمثّل نمطاً في الكتابة السينمائية لم تعتد عليه السينما التونسية، فثمة سرقة ولصوص «مخرج ومنتج وممثل» (قام بالدور كلّ من عبد المنعم شويات ومحمد علي بن جمعة ومحمد لسعد قريع) ومحققون وأعوان شرطة ومن بينهم محققان ظريفان (قام بالدورين كلّ من جعفر القاسمي وجمال المداني) و مطاردات وتشويق وإثارة وحركة، كلّ ذلك في روح كوميدية مرحة وساخرة، تشيع الانطباع بأننا أمام حكاية طريفة لا تصدق. يبدو المحققان الظريفان وهما يقومان بعملهما بحرص ودقة مثيرين للضحك، ساذجين لأن رئيسهما في العمل مورّط ضمن الشبكة التي ينتمي إليها المحامي، والمتهمة بنهب ثروة كبيرة.ولم تكن سرقة فريق الفيلم للبنك سوى تعلّة سردية فحسب لإظهار حجم الفساد المستشري ومدى تورط الإعلام والأمن في كلّ ذلك. يقترح الفيلم مقاربة مركّبة للشخصيات المنتمية إلى قطاع الأمن تبيّن أنّهم ليسوا متشابهين، ولا يجسدون نموذجاً واحداً، فبينهم الساذج الذي يقوم بدوره بطريقة كاريكاتورية، ومنهم المتورّط في الفساد إلى درجة تجعله يوظف الأعوان في عملياته غير المشروعة، كلّ هذه القضايا الخطيرة في قالب كوميدي، بحيث تبدو نوعاً من المبالغات المحبّبة. وينبه شريط «سيني تشيتا» إلى بعض ظواهر الفساد الخطيرة حين يكشف عن تورط أكثر من جهة في قضية الثروة التي جمعها محام فاسد، واختياره الكوميديا البوليسية دالّ على رؤية متفائلة لمجتمع أو نخبة من الفنانين صاروا قادرين على الضحك من ظواهر الفساد.

إنّ قوة الأعمال الناجحة كما يظهر من خلال هذه النماذج أنّها لا تدين الشخصية الإنسانية المطلق، مهما كان فعلها بشعاً كما هو الحال في شخصية البوليس المتجاوز لحدود وظيفته، ولكنّها تدين ما هو أخطر من ذلك، تدين الجهاز الذي أشرف على صناعة هذه الشخصية على تلك الصورة وتساهم في تفكيكه بواسطة الفنّ لتبرز أثناء ذلك أنّ الإفراط في القوة والغطرسة وإهانة كرامة البشر وإطلاق العنان لجهاز الأمن دون مراقبة لممارسة القهر في حقّ المواطنين، لا يقوّي علاقة المواطن بهذا الجهاز الحيوي من أجهزة الدولة، بل يكرّس حالة من الاحتقان المتبادل، بما يترك المجال مفتوحا لتنامي ظاهرة الارتشاء والغش والتلاعب بالقانون ومجاوزته وغير ذلك من السلوكيات والظواهر التي ما نزال نعاني منها في غمرة انتقالنا الدّيمقراطي وحلمنا بأمن جمهوري حقيقي.