الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


هكذا أرى
محمد الطاهر ابن عاشور

رجل العلم في العقيدة والاجتهاد في التأويل


بقلم : محمد مصمولي

... عندما يكون رجلُ العلم في العقيدة وأصول الفقه أديبا في كلّ ما يقول ويكتب.. فلا خوف عليه من التحجر الفكري أو التعصب الديني أو التزمّت الأخلاقي.. لأنّ رهافة الحسّ التي تنبع من الأدب إذا هي تكاملت مع منهجية العلم والصفاء في البصيرة وذكاء القلب.. من شأنها أن تجعل من هذا الرجل رمزا للإعتدال والتسامح في معالجته لأمهات القضايا التي تتعلق بالدين والدنيا..

ومن الأمثلة البليغة على ذلك يمكن الإستشهاد بأقطاب مصلحينا التونسيين، وفي مقدمتهم: العلامة الشيخ «محمد الطاهر بن عاشور» الذي ولد سنة 1877 وتوفي في 12 أوت 1973، والذي كان بحقّ من رواد الدعوة، قولا وفعلا، في النهوض بوضع المرأة، وإصلاح التعليم الزيتوني، وأيضا.. في مكافحة الإنغلاق الفكري والتعصب الديني داخل جامع الزيتونة وخارجه.

 

... كان محمد الطاهر بن عاشور من مشاهير علماء تونس، اشتهر بالبحث والتنقيب والمؤلفات الضخمة الثرية بقضايا اللغة والدين والفكر.. فاعترف له بذلك الجميع بالتبحّر والتبصّر والتجديد، فكانت حياته مليئة بالمآثر العلمية والإجتماعية.

.. ومن أهم آثاره المنشورة تأليفه لكتابه «التحرير والتنوير» في تفسير القرآن الكريم، وهو كتاب صدر في ثلاثين جزءا، وعكف على إعداده وصياغته حوالي نصف قرن من الزمن..

... لكنّ هذا الرجل الفاضل لم يكن فقط رجل علم في العقيدة وأصول الفقه فقط بل كان الى جانب ذلك من عشّاق البيان وأهل الأدب، فأصدر كتبا حول أصول الإنشاء والبلاغة وحقق ديوان الشاعر بشار بن برد وديوان الشاعر النابغة الذبياني الخ..

 

... بخصوص كفاحه الرائد في مجال الإصلاح لوضع المرأة وتدارك أمرها وتمكينها من التعليم ومن أن تضطلع بدورها في تربية أولادها باعتبارها «المدرسة الأولى» فقد استطاع (إبن عاشور) برقة الأديب، وجرأة الباحث، وأمانة المحقق أن يجتهد الاجتهاد الحسن في قراءة الآيات القرآنية ـ كما لاحظ ذلك الدكتور علي الشابي ـ «قراءة مزدوجة، وقراءة لغوية واعية تستبطن اللّغة في تراتيبها وتعدد مستوياتها، وتنوّع أساليبها، وقراءة مقاصديّة تتحقق المصلحة، التي تتغير بتغيّر الزمان والمكان، ودرجة تطور المجتمع».

... بهذه المقاربة العلمية والمقاصدية للآيات القرآنية المتعلقة «بضرب» المرأة الناشز، وبتعدد الزوجات للرجل الواحد، وبالحجاب، استطاع ان يطرح آراء تقدمية ورائدة بخصوص إعفاء المرأة مما كانت تعانيه من قيود، كانت مفروضة عليها باسم الفهم السطحي للدين في حين أن الإسلام، في نظر هذا المصلح المستنير قد قضى بإصلاح شأن المرأة... وتمكينها من التعليم لتضطلع بدورها في تربية أولادها على أحسن وجه ممكن.. وتحقيق التوازن الإجتماعي..

ومن أقواله في هذا المجال:

ـ «: دين الإسلام حريّ بالعناية بإصلاح شأن المرأة، وكيف لا؟؟ وهي نصف النوع الإنساني والمربية الأولى التي تفيض منها التربية السالكة الى النفوس قبل غيرها..!».

وفي سنة 1948، ولدى توليه خطة مشيخة الجامع الأعظم بعث أول فرع تعليم خاص بالنساء لتمكين المرأة من التعليم.

 

و... في مجال إصلاح التعليم بجامع الزيتونة الذي كان يعتمد مناهج تقليدية متخلفة، أكل عليه الدهر... فقد بادر (ابن عاشور) منذ مطلع شبابه بتأليف كتاب (أليس الصّبح بقريب) تضمّن برامج إصلاحية متقدمة.

... لكنّه لم يسارع بنشر هذا الكتاب عند الفراغ من تأليفه، وانتظر وقتا مناسبا لإصداره...

 

أما في مجال آخر يتعلق بمجابهته لرموز التعصب والجمود فقد قال:

ـ « : من أكبر الأسباب في تقدم الأمة بعلومها وقبولها لرتبة التنوّر وأهليتها للإختراع في معلوماتها.. أن تشبّ على إحترام الآراء...!».

.. هذه منّا تحية وفاء في أواخر شهر رمضان لمؤلف (التّحرير والتنوير) في تفسير القرآن، العلامة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور.. رحمة الله عليه..!