الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



بالمناسبة

بين مشاكسات بعض النخب الجامعية وتشنجات بعض النخب الدينية


أثارت تدوينة قصيرة جدا للدكتورة سلوى الشرفي موجة من ردود الفعل الحانقة والواسعة سواء في الفضاء الأزرق (الفايسبوك) أو من فوق المنابر المسجدية. وأول الأمر لم أنتبه شأن كل التونسيين إلى تدوينة الدكتورة الشرفي موضوع الضجة، لكني فوجئت أثناء أدائي صلاة الجمعة بأحد الجوامع بدعاء الإمام الخطيب على أستاذة جامعية لم يسمّها لكن رفع يده بالدعاء من أجل أن تصيبها كل الأمراض الموحشة وأن ينقطع دابرها من الوجود. وبطبيعة الحال انساق المصلين في صفه مؤمّنين على دعائه، وقد أثارت حماسته نقمتهم على الأستاذة الجامعية التي تحارب الإسلام على حدّ قول الخطيب طبعا.

وبصرف النظر عن اختلافي القطعي مع وجهة نظر الدكتورة الشرفي التي اكتفت برمي كلمات جمرات حول معركة بدر الكبرى وصفت من خلالها المسلمين المشاركين فيها بقطاع الطرق -خاصة أن وصفها هذا إنما هو في حقيقة الأمر حكم انطباعي ووجهة نظر صيغت بأسلوب استفزازي لمشاعر عامة الناس في تونس- فإن ما تنبغي الإشارة إليه أولا هنا هو أنها لم تطرح مطلقا نظام برهنة وأدلة تاريخية قوية تؤيد بها أفكارها، وهذا من حقها في إطار العقلانية التي ما انفك ينادي بها القرآن الكريم نفسه، وثانيا لأنها طرحت عبارات وجدانية بأسلوب متهكم ساخر، لا ينتظر منه إلا أن يولد ضدها ردة فعل وجدانية من جنس أسلوبها، حيث أنها لم تطرح معطيات تاريخية أو استنباطات واستدلالات يمكن التعاطي معها بالأخذ والرد.

وفي المقابل فإن مآخذي كبيرة وكثيرة على النخب الدينية بين قوسين طبعا، لأنها نخب في مجملها غير عقلانية لأسباب عديدة لا بأس أن نسوقها بعجالة تباعا:

أولا إن هذه النخب تنتمي في الواقع إلى طبقة أهل النقل، وبمعنى آخر أنها ليست من أهل العقل، وبالتالي فهي مجرد نخبة مقلدة وحافظة للآيات القرآنية والأحاديث النبوية لا غير، بمعنى أنها غير غير قادرة على خوض شعاب الفكر لعدم اكتسابها آلياته لا سيما أن حيازة ذاكرة قوية وصوت مجوّد أو جهوري لا يكسبها الصواب، وإنما فقط سحر الجماهير الجاهلة والبسيطة من خلال ألسنة ببغائية تضرّ استقرار الوطن ووحدة مجتمعه.

ثانيا لم تتعلم هذه النخبة لا من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فن الإعراض عن أهل الجدل واللغو، ولا عن إمام مذهبهم مالك بن أنس الذي كان يرفض الدخول في نقاشات مع المشككين، حيث كان يقول لهم: أنا موقن فابحثوا عن شاك مثلكم، كما قال ذات مرة للخليفة أبي جعفر المنصور عندما دعاه إلى مناظرة قاضي القضاة الفقيه الحنفي أبي يوسف يعقوب: هذا أشبه بالتحريش بين البهائم.

ثالثا لم تتعلم تلك النخب الدينية أسلوب إماتة الخبر الذي يستفزهم بالسكوت عنه.

رابعا يعتقد أفراد هذه النخبة خطأ أنهم أوصياء على الإسلام، والحال أن الله تعالى لم يعطهم وكالة للدفاع عن الإسلام، لأنهم نسوا أن الله تعالى أعلن أنه حفظ القرآن من التحريف وأنه متمّ نوره ولو كره الكافرون.

خامسا إن النخب الدينية هي في الحقيقة ليست كتلة واحدة ولا على قلب رجل واحد بل هي شرائح متباينة المناهج والرؤى ومختلفة فيما بينها، وهي: القرّاء والمحدثون والفقهاء والمتكلمون...

سادسا لم يتعلموا من التاريخ الطويل من تكرار سرعة الإيقاع بهم في فخّ ردود الفعل المتشنجة والعنيفة والمتطرفة التي بقدر ما تشوه صورتهم تنفر في حالة التدين العام بالدين الإسلامي.

سابعا إن التقرّب إلى الله لا يكون بالتهجم على المخالفين، بل كان يمكن ضرب المثل في المواجهة العقلية الحكيمة، فكأن تلك النخب الدينية نست أقوال الله تعالى بخصوص المجادلة بالتي هي أحسن واعتماد القول اللين (هذا لفرعون فما بالنا مع أقوام مؤمنة أو متشككة) وأن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس عليهم بمسيطر وأنه لو كان فظا غليظا لانفض الناس من حوله.

وفي المجمل فإننا لا نعلم الهدف الذي رمت إليه الدكتورة سلوى الشرفي من تدوينتها آنفة الذكر لكن نقبض على نتائجه وهي أنها رمت حجرة في ماء راكد فحركت سواكنه، الأمر الذي يتطلب مراجعات عقلانية عليها وتكريس ثقافة اعتماد الحجة والبرهان بدل الانفعالية البغيضة والعمل على تصويب وجهات النظر المخالفة وتنوير عامة الناس إلى مثل تلك المواقف المشككة حتى يتحصنوا بالحجة البالغة أما أن تتحول المسألة إلى تحريض ونشر للتباغض والكراهية فهو أمر مرفوض مطلقا لأنه أسلوب المتعصبين الجافين الجاهلين.

ثم إن المنابر جعلت من أجل هداية الناس ووعظهم لا من أجل الدعاء عليهم بالشر. وكنت بالنسبة إلى الإمام الخطيب الذي حضرت دعاءه بقطع دابر الأستاذة الجامعية أن يتأسى بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم: اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين. على الأقل أن يدعو بأن يهديها الله للحق وأن يتوب عليها عوضا عن لعنها.

وحسب معلومات قديمة وموثوقة فإن ذلك الخطيب والمقرئ والمنشد الذي يدافع عن الإسلام لم يحمل أخلاقه لأنه ورغم ثرائه فإنه ترك أخاه يعاني الفقر والمرض الخبيث، ولم يقدم له يد المساعدة أو يتنازل له عن نصيبه من الميراث لأنه محتاج إلى السكن بدار العائلة لعوزه.

إن ما ننتظره من المنابر الدينية في هذه المرحلة التاريخية الدقيقة هو أن تتعقل، فليست هي مواقع تواصل اجتماعي، وليس الواقف عليها بسيدها وإنما هي ملك للدولة التونسية، ولا وصاية عليها من طائفة أو شريحة أو حزب، ومثلما هنالك في إطار حرية التعبير هياكل تعديلية في القطاع الإعلامي فلا بد أيضا من هياكل تعديلية في القطاع الديني بما يحفظ دور المساجد في التثقيف الديني السليم العامل على دعم وحدة التونسيين وتضامنهم وتحليهم بالقيم الحضارية السامية، أما من ترى فيه النخب الدينية قد اعتدى على مقدسات دينية من وجهة نظرهم طبعا فيمكنهم عندئذ ومثلما هو معمول به الرد في نفس المجال، من يطعن أو يسب أو يخالف في الرأي بصفحة فايسبوك أو بموقع أو بجريدة أو في منبر إذاعي أو تلفزي فيقع الرد عليه في نفس الفضاء، أما المساجد فيجب تحييدها عن التوظيف الفكري والعقائدي الأعمى.

 

 


منصور