الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



تلوينات

من ثقافة الخوف إلى المستقبل المجهول


ليس للأسف أوسع انتشارا من ثقافة الخوف بتونس، إذ يكفي أن تُشحذ سهام الإشاعات حتى يرتبك الفكر وتدخل الجماعات في دوامة التكهنات السالبة لروح الثبات الفكري والتماسك النفسي. وبينما كان يجب أن يخرج أهل الفن والفكر والإبداع في مثل هذه الحالات إلى الناس من أجل مساعدتهم على تبيّن حقائق الأوضاع وسُبل تخطيها -وذلك من منطلق دورهم القيادي لمجتمعهم- نلحظ أنهم يتموقعون في موضع آخر هو موضع المنسحبين من الحياة العامة إلى عوالم يُعايشونها فرادى داخل الكتب.

وقد نتج عن انسحابهم بدل صمودهم في مواجهة مدّ الواقع عالي الأمواج، وتكفلهم بواجب إنارة دروب شعبهم تصدّر الفايسبوك ومحركات البحث في الأنترنات للعب دور الوسيط المعرفي بين الأفراد والمصادر الضحلة للمعارف البسيطة والأفكار الزائفة والمعلومات المضلّلة للناس والمبعثرة لتماسكهم النفسي والاجتماعي.

وقديما كان سقراط يُعلّم شعبه كيف يصمد في وجه المدّ العالي من مغالطات السفسطائيين والمشككين وأفكارهم الزائفة عبر التمسك بصخرة بعض المبادئ الكبرى والأفكار العميقة، كي لا يجرفهم التيّار إلى أعماق المجهول والفوضى. أما ابن المقفع فقد طرح في قصة «السمكات الثلاث والصياد» بكتابه «كليلة ودمنة» كيفية تعامل الإنسان مع حالات الخطر الداهم، فالحازم الكيّس ينجو بنفسه سريعا والذكي يستنبط حيلة للخروج من الأزمة الحادة التي دهمته، وضعيف البنية النفسية الذي يذهب قلبه شعاعا يسقط سريعا في حالة التخبط التي تقوده إلى طريق الهلاك المحتّم.

وكم يحتاج التونسي خلال هذه الأيام التي بات فيها يعيش على إيقاع الخوف مما يخبئه شهر جانفي من كل سنة لتونس من احتجاجات وعنف وفوضى إلى من يثبّته ويطمئنه وينزع عنه لباس الخوف الذي استبدّ به جرّاء التصريحات الإعلامية المحبطة للعزائم من قبل بعض السياسيين، وأيضا من خلال الأخبار المنتشرة في الفضاءات الافتراضية وفي أوساط الناس حول شتاء تونسي أحمر، بمعنى دموي. وهنا تبرز اللحظة المجتمعية المتأزمة، التي ينبغي أن يتحرك فيها المثقف ويعلن عن وجوده كبلسم شاف لمخاوف شعبه.

وقليل من يلتقط مثل تلك اللحظة فينبري لتعليم شعبه، مثل قول الشاعر وهو يشخّص حالة الخوف:

«تخاف من المجهول---جبال وراؤها سهول

خيال يلازمك---يتلاعب بمشاعرك

إحساس في زمن قاسي---تخبّي همومك وتناسي»

ثم وهو يطرح الحل لمعالجة حالة الخوف:

«خلجتك أمور وخفايا---تعالجها من كل الزوايا».

إن زرع الخوف في نفوس الناس ليس مسألة عفوية وإنما هو حيلة سياسية وأداة سيطرة على الشعوب، وهذا ما نبّه إليه منذ القديم الفيلسوف أرسطو من خلال مقولته الشهيرة «البشر يُحكمون بالخوف أكثر من المهابة».

وكثير ما حذّر كبار الأدباء العرب من السقوط في فخ الخوف الجماعي والفردي، على غرار قول جبران خليل جبران: «وهل الخوف من الحاجة إلا الحاجة بعينها»، وقول نجيب محفوظ: «لا تخف. الخوف من الموت لا يمنع من الموت لكنه يمنع من الحياة». فالخوف صفة بشرية ملازمة للإنسان لكن لا يجب أن تسيطر عليه فتتملكه وتقوده، بل ينبغي أن يغالبها حتى يصير هو المتحكم فيها وليس الخاضع لسلطانها. ولذا كان نلسون مانديلا كثيرا ما يردّد: «تعلمت أن الشجاعة ليست غياب الخوف ولكن القدرة على التغلب عليه».

ولئن رأى نزار قباني أن الهروب من الشعور بالخوف يكون بالاندساس في صدر المرأة، التي ربما تكون الحبيبة أو حتى الأم: «أشعر بالخوف من المجهول فآويني»، فإن أفضل هروب فردي أو جماعي من الخوف يكون إلى خطاب النخب المثقفة التي تعري كذب السياسيين والمتحزبين وتلاعبهم بالأمن النفسي لشعبهم في إطار استراتيجية تبادل الضغوط وتهييج المشاعر وتجييش الشارع، وإلى رسالة المثقفين الواعين بمسؤوليتهم في تخليص الناس من مغبة الوقوع في شباك عنكبوت الكذب، والخروج بهم من كهف الخوف إلى نور المواجهة: مواجهة الخوف ومصدره، لاستقبال الحياة بتفاؤل وشجاعة والأهمّ بروح المغالبة، لا سيما وأن جدار الخوف يقيمه السياسيون ويهدمه المثقفون بأفكارهم وإبداعاتهم.

 

 


منصور