الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


نقاط وحروف
على هامش أيام قرطاج السينمائية:

عودة لأيقونة السينما العالمية «تحت الأرض»


بقلم: كمال الشيحاوي

تحوّلت بعض الأفلام في تاريخ السينما العالمية من فرط قوّتها التعبيرية العالية إلى أيقونات ومضرب أمثال تجري على ألسنة الناس من ذلك «فرانكشتاين» ،«الدكتور جيفاقو» ، «كازابلانكا» و«المواطن كين». ويحضرني هذه الأيام لأسباب سأذكرها فيلم «تحت الأرض» «أندرغراوند» للمخرج البوسني « امير كوستريكا» والذي يعدّ واحدا من هذه الأفلام التي تعبّر على نحو مدهش وغير مسبوق عن المأساة اليومية التي يمكن أن يعيشها بعض الناس دون أن يكون لديهم الوعي بذلك. (الشريط حائز على السعفة الذهبية لمهرجان كان دورة 1995).

تبدأ أحداث الفيلم من لحظة احتلال القوات النازية للعاصمة اليوغسلافية بلغراد في عام1941، .حينها قرر (ماركو) - الذي يعمل شرطياً وينتمي للحزب الشيوعي - أن يأخذ جميع جيرانه ويضعهم في قبو قديم حماية لهم من بطش النازيين.. أما صديقه الحميم بلانكي - اللص المشهور - فقد توجه إلى الشارع للقتال تاركاً زوجته الحامل في القبو تترقب موعد الولادة. في حين ذهبت (ناتاليا) مع حبيبها الجديد القائد الألماني (فرانز). وتحت ضغط الاحتلال تلتقي أقدار الأصدقاء الثلاثة وتتقاطع مصالحهم فيتجهون جميعهم نحو (القبو) - تحت الأرض - ليعيشوا هناك مع بقية جيرانهم لأكثر من عشرين سنة متوهمين خلال هذا الوقت كله أن ألمانيا لا تزال موجودة وأن الحرب العالمية الثانية مستمرة.. فقط (ماركو) و(ناتاليا) هما اللذان يعرفان الحقيقة ويدركان أن الحرب انتهت وأن قبضة الحزب الشيوعي و(ستالين) هي التي تحكم يوغسلافيا الآن.. لكنهما فضّلا السكوت.. فضّلا الاستمرار في الخديعة واستغلال هذا الوضع لصالحهما.

وتعبّر هذه القصة أو الفانتازيا على بساطتها عن فكرة جهنمية عظيمة جدّا، من أبعادها ودلالاتها التأويلية أن هناك أفرادا وفئات وشعوبا أيضا يمكن أن تقضّي كامل حياتها وهي غارقة في أوهام تحسب أنها الحقيقة. أفراد وشعوب وثقافات تحسب أنّها تعيش عصرها بينما هي ما تزال تحت الأرض، تعيش وهم المعاصرة وخديعتها.

وهكذا يمكن أن نقرأ بعض التواريخ والمعطيات على نحو تراجيكوميدي ساخر، من ذلك اكتشاف بعض الشعوب العربية بشكل متأخّر مثلا أنّها كانت مخدوعة من أنظمتها التي أوهمتها بأنّها في طور النمو و التقدّم وأن عليها أن تصبر على الفقر والتسلّط على اعتبار أنّها في حرب مع العدو الغربي والاسرائيلي ليتبيّن لها فيما بعد أنها كانت تنسّق مع هذا العدو ذاته لإبقاء الأوضاع على ذلك الحال. ومن ذلك أيضا وقوع آلاف الشباب في خديعة شيوخ التفكير والتطرّف الذين يسوقونهم في حروب قذرة بالوكالة معتقدين أنّهم يجاهدون من أجل اعادة المجد للإسلام والمسلمين ليتم بيعهم بعد ذلك في صفقات دولية معقدة، ومن ذلك أيضا وهم الكثيرين من مستعملي الهواتف والمنتديات الاجتماعية «فايسبوك» بأنهم يسيطرون على آخر تكنولوجيات العصر والحال أنّهم يوفّرون كلّ المعطيات الشخصية بطواعية لشركات سبر الآراء التي باتت تتدخّل بقوّة في توجيه الرأي العام واتجاه الانتخابات وتدجينهم ككائنات استهلاكية سلبية. ويمكن أن نضيف أيضا أمثلة أخرى لمؤسسات عمومية في الاعلام التونسي مثلا، عاش عدد من العاملين فيها لسنوات طويلة على فكرة أنّهم بصدد انجاز عمل اعلامي مؤثّر لتكشف لهم الأرقام ومعدّلات التسويق والمتابعة والمشاهدة أنّهم كانوا مثل أبطال فيلم «انردرغراوند» تحت الأرض، لا أحد يقرؤهم أو يسمع بهم أو يشاهدهم بينما الحياة تغيّرت بالكامل فوق الأرض.

ولا يكشف شريط «تحت الأرض» الفوائد التي تحصل لبطل الفيلم في إبقاء هذه الجماعة تحت الأرض واستغلال ما تنتجه بأبخس الأثمان فحسب بل يبيّن أيضا قدرة البشر عموما على التكيّف مع كل الأوضاع والسعي غريزيا للبقاء والحياة في كلّ الظروف. بل ويكشف أن بين هؤلاء البشر المخدوعين أصلا من يمارس عليهم الخداع تحت الأرض.

يحدث ذلك حينما يسود اليقين الأخطر بأنه لا توجد امكانية أخرى وعلينا أن نرضى بما هو متاح مع تعطيل أي تفكير في احتمال آخر وأمل ممكن. وهذه في تقديرنا من أفكار الفيلم الجوهرية أيضا وهي قدرة آلة الدعاية والإيديولوجيا في كلّ زمان في اقناع البشر في أي وقت من الأوقات بأنه لم يعد هناك ما هو ممكن أكثر مما هو متاح ولعل الترويج لحتمية الأنموذج الليبرالي الذي يمثل نهاية التاريخ هي احدى أكبر العقائد التي يراد للبشرية التسليم بها اليوم.

لقد كان شريط «انرغراوند» عملا سينمائيا فريدا في مسيرة المخرج البوسني (أمير كوستريكا)؛ وهو مرثية سوداء كتبت بلغة سينمائية أصيلة تظافرت فيها عناصر الفيلم من صوت وصورة ولون وأداء وموسيقى لتتمازج مع بعضها البعض مكونة لوحة سريالية تصف حال الدولة اليوغسلافية المنهكة بسبب الحروب وتحوّلها أي الدولة التي اندثرت تاريخيا بفعل التقسيم إلى استعارة لكل كيان أو مؤسسة أو شعب أو انسان يدفع ضريبة عيشه في الأوهام على أنها الواقع والحقيقة.