الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



هكذا أرى

خمسينية حركة الطليعة الأدبية التونسية (2)


بقلم : محمد مصمولي

.... «الذاكرة المثقوبة»... بعد السنوات العجاب لحدث 14 جانفي 2011، بما تضمنته من شعارات جوفاء وتجاذبات حمقاء... وغير ذلك من «معارك ديكة» بين الفرقاء السياسيين... في اعتبار بعضهم من «الثوراجيين» أنّ ماضي دولة الاستقلال... مجرد استبداد وخراب، في حين أنّ بعضهم الآخر ... من الراكبين على ما سُمّيَ بالثورة في اعتبارهم أنّ مستقبل الثورة كَامِنٌ في الماضي الغابر الذي يريدون إحياءه من متاحف التاريخ... ومقابر التراث.

هذه «الذاكرة المثقوبة» عند الفرقاء السياسيين، عند جانب كبير من ممارسي الثقافة الذين عرفوا شيئا وغابت عنهم أشياء... جعلتهم... في جهل تام أو تجاهل متعمّد... يَنْسَونَ أو يتناسون خمسينية «حركة الطليعة الأدبية التونسية» (1968 ـ 1972) التي مثلت نقطة تحول في التاريخ التونسي للأدب، ومثلت حلقة متميزة من حلقات مَتْنِهِ... ونبضه الحي.

أما أنا، في إشارتي إلى هذا التيار الإبداعي والفكري بمناسبة خمسينية ولادته،. فأعترف بأن حدث 14 جانفي 2011 حين ذهب بنا الظن إلى أنّه... ثورة بحق، ثورة شبابية شعبية بحق، وليست «ثورة مغدورة» فقد أَعادَتْ لي مسيرات احتجاج الشباب ذكرى تأسيس حركة شبابية أخرى، قادها نفر من جيل شباب الاستقلال، جُلّهم في سِنّ الدراسة الجامعية، وأعني بهذه الثورة... ثورة حركة الطليعة الأدبية التونسية التي بلغت عنفوان تألقها لمدة أربع سنوات فقط (1968 ـ 1972)، ولم ينفرط عقد رُوادِها و... مبدعيها الطلائعيين.. إلا ليتواصل، إشعاعها في «طليعة ثانية» كما قال بعض الدارسين، وكأنّ هذا التيار التجديدي المتميز، تيار حركة الطليعة الأدبية، الذي مثل حلقة من أهم حلقات متن الادب التونسي.. لم ينته في بداية السبعينيات الا ليبدأ من جديد.. ربّما بزخم أكبر، وتنوع أكثر..

ولأنني توسّمتُ خيرا في حدث 14 جانفي 2011، وحسبتُ أنه ثورة شبابية بحق، فقد عدت بالذاكرة إلى ثورتنا الثقافية الشابة في (1968ـ1972،) وعدت الى نشر ما لم أنشره من نصوصي... فأصدرت مجموعة شعرية بعنوان (في الصمت متسع للكلام) بتاريخ 2012... وهي تتضمن نصوصا كتب بعضها في أواخر الستينيات، كما أصدرت الطبعة الثالثة من كتابي بعنوان (رافض والعشق معي) الذي كانت طبعته الأولى قد صدرت في 1972، وكذلك نشرت في 2014.. كتابا آخر بعنوان (من كناشات صاحب الغليون) متضمّنا نصوصا تنظيرية للشعر والأدب.. كتبت جلها في زمن الطليعة أو بعدها بقليل.. أما الكتاب الأول ضمن هذه السلسلة فقد صدر في 2012 بعنوان (ها أنت.. أيتها الثورة).

 

... أريد بهذه المناسبة أن أحيّي أرواح الكتّاب الطليعيين الذين سبقونا إلى المثوى الأخير من أمثال: محمود التونسي، وسمير العيادي، والطاهر الهمامي، وكذلك صالح القرمادي، ومختار اللغماني إضافة الى توفيق بكار الذي كان قريبا من الحركة، وكانت الحركة قريبة منه..

 

.. مثّلت حركة الطليعة الأدبية، أثناء ظهورها بين نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن العشرين بديلا ثقافيا لما كان قبلها في الساحة التونسية.. وهو بديل متكاملة مكوناته الشعرية والقصصية المسرحية والنقدية..

.. بل إنّه متكامل مع مكونات أخرى مثل الرسم (نجيب بلخوجة) والموسيقى (محمد القرفي)..

... كما يرتكز هذا البديل على وحدة في التنوع.. بين جبهات إختلاف على النحو التالي:

.. (1) جبهة (التجريب)، قصة ومسرحا (عزالدين المدني، سمير العيادي)

.. (2) جبهة (الشعر المعترض على عروض النظم) (القصيدة المضادة): ويمثلها محمد مصمولي، و(غير العمودي والحر) وويمثله الحبيب الزناد وفضيلة الشابي، والطاهر الهمامي، و(«أشعار بلا شعار») ويمثلها صالح القرمادي ومحمود التونسي وسمير العيادي... ونورالدين عزيزة وغيرهم.

... (3) ـ جبهة «التنظير النقدي» ويمثلها: عزالدين المدني، والبشير بن سلامة ومحمد مصمولي ومحمد صالح بن عمر والطاهر الهمامي، وأحمد حاذق العرف، وتوفيق الزيدي ونورالدين عزيزة وابراهيم بن مراد وأحمد مموّ وحسين الواد وسالم ونيس وغيرهم.

 

ولدت حركة الطليعة، حسب الناقد محمد صالح بن عمر، «استجابة منطقية لفراغ ايديولوجي ثقافي لم تقدر على ملئه الانتلجنسيا الرسمية بعد الاستقلال، وكانت السلطة قد أحسّت لأول مرّة بمدى خطره على الشباب عند نشوب الاضطرابات الطالبية واسعة النطاق التي أثارها العدوان الاسرائيلي على الأراضي العربية في حزيران 1967 والتي قادها تيّاران هما اليسار الماركسي والاتجاه القومي العربي...»

... لكنّ ناقدنا محمد صالح بن عمر يقول أيضا عن حركة الطليعة بأنها بديل ثقافي تونسي متكامل «إستمدّ أسسه ومقوماته من نظرية الأديب محمد مزالي مدير مجلة «الفكر» في التونسة والتعريب وحظي بتشجيع مباشر من رئيس تحرير المجلة نفسها الأديب البشير بن سلامة..»

وللحديث بقية