الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



رحيل حمدي قنديل:

صاحب قلم الرصاص الذي عاش مرتين


بقلم : منيرة رزقي

كان من أوائل الذين فتحوا المجال أمام فرسان القلم ليعانقوا الشاشة الصغيرة وهو الذي أطل على المشاهدين في برنامجه «رئيس التحرير» ثم «قلم رصاص» ونجح في كسر الصورة النمطية للمذيع الذي كان البعض يراه بمثابة نجم سينما ينبغي أن يكون وسيما وشابا وكلماته ناعمة ومجاملة.

لكنّ حمدي قنديل كان مختلفا فهو الكهل الوقور الذي يتميز بعقلانية ورصانة وخاصة جرأة في زمن كانت فيه الحرية عصفورا مهاجرا من كل البلاد العربية التي ترزح تحت عبء الإستبداد والديكتاتورية.

وفي سياق كان فيه الإعلام العربي منقسما إلى قسمين إما هو إعلام التسلية والترفيه القائم على المنوعات الغنائية وبرامج الألعاب أو إعلام إخباري يلاحق ويرصد بدقة أخبار الساسة دون تمحيص أو نقد مع إطناب في التضخيم والتفخيم والتعبير عن الولاء المطلق واللامشروط لأهل السلطة برزت تجربة رئيس التحرير الناقد بمنتهى الهدوء صاحب النظرة الثاقبة الذي لا يخشى في الحق لومة لائم.

ذلك هو حمدي قنديل الإعلامي الكبير الذي رحل عن الدنيا عن عمر ناهز 82 عاما مخلفا تجربة ثرية تستحق الدرس والتمحيص على مستوى الغنى وإعتناق الحرية.

وقد ولد الصحفي المصري الكبير عام 1936 وولج بلاط صاحبة الجلالة يقوده الشغف بالقلم الذي وهبه عمره فقد توجّه في البدء لكلية الطب لكنه سرعان ما هجر هذا التخصص وارتمى في أحضان الصحافة.

وهو المجال الذي ولجه بصفة رسمية في مرحلة الخمسينات عندما دعاه مصطفى أمين إلى العمل في مجلة آخر ساعة.

وخاض تجربة في مجال التقديم التلفزي في بدايات التلفزيون المصري عام 1961 عندما قدم برنامج «أقوال الصحف».

وخاض تجارب متعددة قبل أن يعود ببرنامجه الشهير في أواخر التسعينات رئيس التحرير إلى التلفزيون المصري وقد إختار أن يكون برنامجه نقديا يعنى بملاحقة الشأن المصري المحلي وتقديم قراءات نقدية فيه وهو ما لم يرق لحكام مصر في تلك المرحلة.

فتوقف البرنامج وتحولت وجهته الى قناة دريم الخاصة ثم إلى قناة دبي واصبح إسمه قلم رصاص. وقد حقق نجاحا كاسحا على مستوى العالم العربي فوصلت نسب مشاهدته إلى أرقام عالية وبات بمثابة المرجع في الإعلام الجاد الرصين والناقد الذي تتابعه جل الفئات الإجتماعية.

ولكن صدور الحكام العرب سرعان ما ضاقت به وبقلم رصاصه فإنتقل به إلى قناة ليبية ولم يكن حظه أوفر هذه المرة فعاد حمدي قنديل إلى بيته الأول واحتضن قلمه مرة أخرى ليخط مقالاته في جرائد المصري اليوم والشروق التي كانت منابر للكلمة الحرة في تلك الفترة.

ولم تنته مضايقاته إلا مع ثورة يناير التي عصفت بأركان النظام التسلطي وقوضت عرش الإستبداد وقد كان حمدي قنديل ليس من المحتفين بها فحسب بل من الفاعلين فيها أيضا.

وقد صاغ تجربته الانسانية والمهنية في كتاب وسمه بـ«عشت مرتين» كما وثق فيه الأحداث الكبرى التي عاشتها مصر باعتباره كان شاهدا على العصر . كما قدم خلاله رأيه ووجهة نظرة ومقارباته لعديد القضايا المتصلة بالإعلام والثقافة والسياسة.

ولعل إرتباط الإعلامي الكبير بالفنانة نجلاء فتحي عام 1995 كان حدثا كبيرا تناولته وسائل الإعلام وقد حدث ذلك بعد قصة حب كبيرة وعن النجمة الكبيرة قال قنديل أنها أضفت البهجة إلى حياته ببساطتها وتلقائيتها وابتسامتها الساحرة التي أشاعت الدفء في حياته. وكان حبهما إستثنائيا كما أنها هي من عرضت عليه الزواج بل صممت على ذلك قائلة «سأتزوجك اليوم» ذات مكالمة هاتفية بينهما.

ولعل إنهيار نجلاء فتحي في جنازة حبيبها وزوجها ورفيق دربها يعكس متانة الرباط الذي جمع بينهما وصدق المشاعر. ومن دلالات ذلك أنه كان رغم مرضه في السنوات الأخيرة يرافقها للعلاج في اوروبا وكان خير رفيق لها في محنتها وهي تبكيه اليوم بحرقة كما بكاه تلاميذه واحباؤه وكل عشاق قلمه الفذ.