الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


على وزن الريشة
انبعاث الشاعر أولاد أحمد بعد ثلاث سنوات من موته؟

لَمْ يَسْلَمْ حيَا أو ميتا،


بقلم: حسن بن عثمان

من الأحداث الثقافية التونسية الهامة التي حدثت في الأسبوع الماضي، من شهر أكتوبر لسنة 2018، وأهميتها من حيث أنها حدثت في العودة المدرسية على شكل جريمة لا يعاقب عليها القانون ولا يسأل عنها المسؤول ولا يهتم بها أهل الشأن الثقافي والتربوي والأمني من وزارة ثقافة ووزارة داخلية ووزارة عدل ووزارة التربية ووزارة التعليم العالي ووزارة «تشخيص مصلحة النظام»..، فهذه الجهات الرسمية، كلّها، وغيرها في البلاد التونسية وخارج الحدود، كلّهم معنيون بالأمن التونسي في مختلف أبعاده ومختلف عباده، فضلا عن رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية ومجلس النواب والاتحاد العام التونسي للشغل والمنظمات الوطنية الأخرى.

جاء في الأخبار المتداولة في الإعلام الإذاعي وإعلام الفايسبوك أن السيّدة زهور بن عزيزة أرملة الشاعر أولاد أحمد بعثت برسالة إلكترونية للشاعر منصف المزغني نشرها على صفحته على الفايسبوك، وهذا نصّها بتقديم المزغني:

ـ (الشاعر محمد الصغير أولاد احمد يطرده الأموات من المدرسة

هذا النص وصلني من السيدة زهور أولاد احمد.

وانقله هنا من باب التضامن مع الشاعر الحيّ صديقي أولاد احمد وكذلك من باب رفض الصمت وأهل الجهالة والموت.

لَمْ يَسْلَمْ حيَا أو ميتا،

في حركة غريبة وجبانة أقدم بعض الأهالي ومدير المدرسة الابتدائية بـ«النوايل» على إزالة اللافتة التي تحمل اسم الشاعر محمد الصغير أولاد أحمد وتكسير الرخامة التي نحت عليها اسمه، وذلك أمام صمت المندوبية الجهوية للتربية بسيدي بوزيد والسلط المحلية بمعتمدية بئر الحفي، وقد خلّف هذا التصرف استياء نقابات التعليم الابتدائي بالجهة التي لم تتمكن من الوصول إلى حل هذا الإشكال لحد الآن مع الجهات المعنية.

فإني أطالب وزارة التربية ووزارة الثقافة والاتحاد العام التونسي للشغل والمجتمع المدني بما في ذلك اتحاد الكتاب التونسيين، ونقابة الصحفيين التونسيين، ورابطة الكتاب الأحرار، ونقابة كتاب تونس وبيت الشعر التونسي والاحزاب السياسية والعقلاء من أهالي سيدي بوزيد إلى التصدي إلى مثل هذه الحركات التي تؤجج الصراع والفتن بين أفراد المجتمع التونسي.

المجد والخلود لشاعر البلاد محمد الصغير أولاد أحمد).

 

انتهى ما نشره الشاعر المنصف المزغني من تدوينة تتضمن رسالة زهور بن عزيزة زوجة أولاد أحمد في حياته وأرملته في موته، وأردف الشاعر المزغني تدوينته بنصّ نثري آخر يضع الحدث في إطاره الوطني والشخصي الحميم، نظرا للعلاقة الاستثنائية التي جمعت بين أولاد أحمد والمنصف المزغني وما دار بينهما مما يدور بين الشعراء الأعلام في مرحلتهم التاريخية في البلاد التونسية، وعلاقتهما بتأسيس وإدارة بيت الشعر والتنافس على حيازة السباق الشعري، الذي كان يشبّهه أولاد أحمد، رحمه الله، بـ«سباق العدو الريفي» حيث لا يصل إلى نهاية السباق إلا اسم شاعر واحد وحيد بين العدائين الريفيين أو العدائين في الألعاب الأولمبية، وذلك نظرا لغرام أولاد أحمد بالعدو الريفي والبطل محمد الأولمبي التونسي محمد القمودي، الذي كان يعدو في الفيافي والريف والقفار حافي القدمين، ومن هناك، من ذلك الريف والعصامية الفردية، كان محمد القمودي أول تونسي ينال البطولة الأولمبية للعدو الريفي في بداية دولة الاستقلال التونسية التي تحتاج إلى مثل تلك الجوائز الرياضية البطولية لتضع لها قدما واسما بين البلدان والشعوب والأمم والألقاب والرموز في كل المجالات، وكانت دولة الاستقلال على يقين بأن دولة بلا رموز، هي دولة قطّاع الطرق والهمجية البهائمية التي لها السيادة.

 

الهمجية البهائمية التي صارت لها السيادة وتحكم بأحكامها وتتصرّف كعصابة، لها عقلية ارتكاب الجريمة والتستّر على ارتكابها وعلى مقترفيها والمخططين لها، فهل من معنى آخر لما اقترف في مدرسة ابتدائية ريفية في ولاية سيدي بوزيد، مدرسة «النوايل» حيث درس فيها الشاعر الريفي، أولاد أحمد، الذي تعلّم من هناك العدو السريع لاقتطاف قصيدته الفريدة في اللغة العربية الحاضرة باسمه القطاري «محمد الصغير أولاد أحمد» كما وصف اسمه الشاعر اللبناني شربل داغر، في رسالة موجهة لي من باريس ومجلّة «كل العرب» في بداية الثمانينات من القرن الماضي، كما شَهِدْتُ ذلك في الساحة الثقافية، في حينه.

 

تسمت تلك المدرسة الابتدائية في ريف من أرياف سيدي بوزيد أو قرية من قراها في عهد الوزير الندائي للتربية الأستاذ ناجي جلول، ويقال أن وزارة ناجي جلول صرفت منحة مالية استثنائية بمائتين وخمسين ألف دينار تونسية (ما يعادل أقل من مائة ألف دولار أمريكي) للمدرسة الابتدائية التي درس فيها الشاعر التونسي أولاد أحمد في ريف سيدي بوزيد، وخُصّصَ نصيبٌ من تلك المنحة لرخامة حُفِرَ فيها وعليها اسم تلميذ نجيب درس في تلك المدرسة النائية وصار رأس البلاد الشعري ينافس رؤوسها السابقين والمعاصرين واللاحقين. وذلك تكريم رمزي حصيف من انجاز ذلك الوزير الندائي العابر الذي يفهم في التاريخ والرموز، والاعتراف الرسمي بأولاد أحمد وهو تاج يظل يتوّج أبطال سيدي بوزيد الذين اعترفت البطولة بهم، واعترفت بهم الجهات الرسمية في الداخل والخارج، وصاروا عنوانا من عناوين تونس العاصمة والجمهورية.

 

حين يقع الاعتداء على الرخامة المحفور فيها اسم «مدرسة محمد الصغير أولاد أحمد بالنوايل» فالاعتداء حدث على المدرسة قبل أن يحدث على اسم الشاعر، فاسم الشاعر على الرخامة يعرف دائما كيف يستعيد بريقه وكيف يدافع عن اسمه الشعري وهو ميّت، ينتفض من قبره ويعود لحياتنا ليذكّر حياتنا أن حضوره مثل غيابه بيننا، هو حضور فارق. ويذكّرنا في حياته وفي مماته أننا في الغيبوبة عندما كان معنا ونحن في غيبوبة عندما توفّاه الله، ولم تنجز البلاد منجزا واحدا يليق بالشاعر أولاد أحمد والثقافة التونسية الذي كان رمزها، ويليق بأصحابه الأحياء وبالمغرمين بشعره ووصاياه. ولم يحدث الإنجاز حول الشاعر لا في الجامعة التونسية وكلياتها، ولا في وزارة الثقافة ودورها المتكاثرة كالهَمّ على القلب، ولا في وزارة التربية ومدارسها ومدرّسيها الذين هم أكثر من شعر الرأس الأصلع من الأفكار...

لا أحد من الجهات الرسمية أو غير الرسمية أو الهامشية أو المعارضة حاول أن يفسّر للبلاد شاعرها التونسي محمد الصغير أولاد أحمد، وما هي منزلته بين منازل الشعراء والعارفين وأصحاب الرؤى، الذين وقع التنكيل بهم أو الذين وقعت الحفاوة بهم في الماضي والحاضر وفي ما هو قادم من مستقبل يمحو الأسماء والرموز والذاكرة الوطنية.

 

الجهل، الجهل الجهول، الجهل الداعشي الخطير، الذي يخاطبنا من المدرسة الابتدائية للشاعر محمد الصغير أولاد أحمد، يبعث لنا برسالة علينا قراءتها في كل حروفها، وها أني أقرأ بعض حروفها وإيقاع الأشرار الذين يبدؤون، بضرب الذاكرة الماضية وتحطيم الرموز واكتساح المقابر وتدمير الشواهد الحجرية والرخامية وكل ما يدلّ على الموتى...

وقبل واقعة أولاد أحمد في مدرسته الابتدائية التي لم تتحوّل إلى مدرسة شعرية، نتذكّر ما حدث للشاعر العظيم في التاريخ أبو العلاء المعرّي، وكيف وقع تكسير تمثاله في مدينته السورية «معرّة النعمان»، حين صار الظلام الداعشي يحارب الأصنام والتماثيل وما تبقّى لنا من ذاكرة الحضارة العربية الإسلامية والإنسانية العظيمة، التي أنجبت عظماء أمثال المعرّي... يا لعار البلاد التونسية التي لا تصحو على فسخ اسم شاعرها الصغير من مدرسته الصغيرة التي حملت اسمه في لحظة افتخار بموت شاعرها.

 

حالما بلغني هذا الموضوع الخطير، الذي لا تُقرع له النواقيس ولا تذكره المنابر، كتبت «على وزن الريشة» هذه التدوينة التي نصّها التالي:

لا عِلْم لي بالمدرسة الابتدائية في قرية من قرى ولاية سيدي بوزيد تحمل اسم الشاعر التونسي الراحل أولاد أحمد، أصيل سيدي بوزيد، حيث درس الابتدائي في مدرسة «النوايل» التي صارت تحمل اسمه...

واستغربت، بمناسبة يوم المعلّم، حين بلغني أمر مدرسة طفولة أولاد أحمد التي تحمل اسم الشاعر ونيله ذلك الشرف الابتدائي بعد مماته، وزاد استغرابي أن بعض الأوباش، هناك، أتلفوا الرخامة التي تحمل اسم الشاعر، لأنه بلغهم أن أولاد أحمد شاعر شيطاني ولا يستحق أن يذكر اسمه الربّاني، أو الرسولي، اسمه الشعري في مضمون الولادة: (محمد الصغير أولاد أحمد) أو أن يحفر على الحجر في جهة من مسقط رأسه...

الحقيقة، انتابتني نوبة من الضحك، محبّة في طرائف أولاد أحمد ومدرسته الابتدائية وليس شماتة في الغباء الذي يتعارك مع الموتى الأحياء، أو الأحياء الذين لا يموتون مثل المبدعين من علماء وشعراء، رغم دفنهم في المقابر، وفي الابتدائي، رغم احترامي الشديد للـ إبتدائي، بهمزة الإبتدائي المكسورة في البداية والنهاية...

تذكرت صاحبي أولاد أحمد، شاعر البلاد وجحاها، وتذكرت أنه مازال يعيش بيننا في البلاد، ومازال يصنع الحدث الشعري والثقافي في مسقط رأسه وفي العاصمة، رغم رحيله عنّا منذ ثلاث سنوات...

الحقيقة، أولاد أحمد يستحقّ أن تحمل اسمه مدينة الثقافة الجديدة التي في شارع محمد الخامس بتونس العاصمة.

أي:

ـ مدينة أولاد أحمد التونسية للثقافة الإبداعية

بما يليق بالمنزلة الشعرية الطلائعية التي يحوزها أولاد أحمد في الثقافة التونسية والعربية المعاصرة. لعلّ مدينة تونس للثقافة يصبحُ اسمُها علما على رأسه نارٌ في الإبداع التونسي والثقافة العربية، على الأقلّ؟

 

موضوع للمتابعة