الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



نقاط وحروف

عودة الصراع حول الهوية والكرامة دوليا ومحلّيا


بقلم:كمال الشيحاوي

منذ أسابيع شاهدت المفكّر الأمريكي/الياباني الأصل «فرانسيس فوكوياما» بصدد تقديم محاضرة في لقاء خاصّ بإحدى المنظّمات الأمريكية، كان ذلك على قناة الجزيرة مباشر. وقد لفت انتباهي تركيز هذا المفكّر الذي اشتهر بمقولة «نهاية التّاريخ والانسان الأخير» (وهي أشهر تنظير لحتمية انتشار الأنموذج الديمقراطي اللّيبرالي الغربي في العالم) على أهمّية الهوية والاعتراف بكرامة الفرد والشعوب في تحليل الكثير من ردود الفعل السياسية والشعبية في العالم. وفي رأي هذا المفكّر البارز فإن الأمم التي باتت مدركة لتشابه مساراتها الاقتصادية والاجتماعية بإيجابياتها وسلبياتها فيما يعرف باقتصاد السوق المعولم باتت أشدّ حرصا على ما يحقّق هويتها والاعتراف بها على مستوى العالم. وقد استشهد «فوكوياما» بحادثة إهانة «البوعزيزي» في تونس وكيف أنّها دالّة على أهمية هذا البعد في تفسير الثورة التونسية ومختلف الثورات التي حدثت فيما صار يعرف بـ«الرّبيع العربي». فقد فعل التونسيون والمصريون وغيرهم من شعوب المنطقة ما به يتمّ الاعتراف بكرامتهم ومواطنتهم. ويمضي «فوكوياما» في محاضرته التي ارتجلها باختزال (هي موجودة على اليوتوب لمن أراد الاطلاع) إلى أن بروز رؤساء ذوي نزوع شعبي ولهم «كاريزما» قومية (ترامب، بوتين، أردوغان، مثلا) ونجاح الأحزاب اليمينية «الشعبوية» في أنحاء مختلفة من العالم وخصوصا في أوروبا دليل على حاجة هذه الشعوب لمن يعبّر أكثر عن هويتها القومية وحاجتها لأن يعترف بمكانتها الإقليمية أوّلا والدولية ثانيا بحسب امكانيات كلّ دولة.

يؤكّد «فوكوياما» في المحاضرة أننا نعيش في حقبة حيث الشعور بالنبذ والإقصاء وليس المصلحة المادية، هو القاطرة المحركة للشؤون الإنسانية. وفيها، يعمل حُكام أمم مختلفة بدافع الرد على الإذلال الوطني السابق. ويستطرد بأن «بن لادن» كان مدفوعاً (لمّا كان طفلا) بالمعاملة الظالمة التي تلقاها الفلسطينيون مثلما كانت حركة «أرواح السود» مدفوعة بعدم الاحترام القاتل الذي مارسته الشرطة الأمريكية.

وعموما يمكن القول أن «فوكوياما» بصدد التحرّك في الأرض التي سيجها من قبل زميله وأستاذه «هانيغتون» الذي نظّر منذ تسعينات القرن الماضي لحتمية صراع الحضارات، قائلا بأنّ صراعات ما بعد الحرب الباردة لن تكون بين الدول القومية واختلافاتها السياسية والاقتصادية، بل ستكون الاختلافات الثقافية المحرك الرئيسي للنزاعات بين البشر في السنين القادمة.

وما يحسب لـ«فوكوياما» في رأي المختصين أنّه اجتهد في التأصيل لفكرة الكرامة عبر العودة إلى الفلسفة اليونانية منذ سقراط والذي أعطى قيمة كبيرة للروح الانسانية «thymos»؛ باعتبارها أجلّ ما يتوق إليه الإنسان. وتتجلى الكرامة في التقدير، من جهة، والاعتراف، من جهة أخرى. وذلك ليخلص في النهاية إلى أن الاستجابة للكرامة الإنسانية سوف تمكن من استيعاب الهويات المختلفة في إطار وطني توحيدي. إلا أن عملية الاندماج أكثر تعقيدا من التركيز على البعد الأخلاقي فقط على أهميته.

بالإضافة الى تركيزه على أن الحل يكمن في تشكيل الهوية بطريقة تدعم الديمقراطية، بدلاً من أن تقوضها، فالهوية الحقيقية هي «الهوية الإنسانية العالمية»، والتي تعتمد على الاعتزاز بها (لا بهوية قبيلة، أو عرق، أو دين)، والدفاع عنها (أمام اليمين المتطرف في أمريكا، وفي المجر، وفي النمسا وغيرها).

وبالنظر في مختلف ردود الفعل على هذه الأطروحات الجديدة نسبيا يلاحظ أن منتقديه قد شاركوه عموما الإقرار بأنّ الأسباب التي طرحها وأدت إلى اشتعال الغضب والاستياء بين قطاعات بشرية متنوعة وهي حقّا بفعل تداعيات الأزمة المالية العالمية الأسوأ والعولمة الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة والتراجع عن الديمقراطية والاستعلاءات العرقية فى الولايات المتحدة الامريكية وغيرها ولكن أكبر اعتراض على فكر «فوكوياما» هو السؤال: كيف يمكن أن نعالج تداعيات الأزمة ما لم نعالج الأزمة ذاتها؟

فإذا كانت الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية قد أدت إلى ما أدت إليه من تشظ مجتمعي، فكيف يمكن معالجته ما لم يتم علاج الأزمة الاقتصادية والمالية التي في جوهرها تعنى بوضوح أزمة الرأسمالية العالمية. هذا أوّلا وثانيا: بدل الحديث عن أزمة الرأسمالية العالمية، يواصل «فوكوياما» ما بدأ التسويق له بأن الأزمة هي أزمة الديمقراطية الليبرالية بالأساس واعتبار أن العملية الديمقراطية مسألة اجرائية وليست تعبيرا عن موازين القوة في المجتمعات..

إن ما يطرحه «فوكوياما» في تقديري يقول «أناند جيريدهاراداس* - في جريدة (نيويورك تايمز الصادرة بتاريخ27/8/2015) (وهو من أشهر منتقديه) لم يتجاوز التوصيف. لأنه لم يقترب من الأسباب الحقيقية والسياقات وموازين القوة الفاعلة فيها. واختزل أسباب الغضب الجماهيري في سؤال الهوية. وهو أمر غير دقيق... والسؤال اليوم والرّهان الأكبر هو كيف يمكن عكس الاتجاه الذي عمره 30 عاماً في معظم الديمقراطيات الليبرالية، نحو قدر أكبر من اللامساواة الاجتماعية-الاقتصادية».

ونخطئ إذا فهمنا أنّ هذا النقاش العالمي والصراعات الاقليمية والدولية لا علاقة لها بأوضاعنا الدّاخلية في تونس. فالسعي اليوم من قبل أحزاب عديدة لإعادة النقاش والخلاف إلى المربّع الهووي بمناسبة السجال حول تقرير الحريات والمساواة مثلا يؤكّد أهمية هذا المعطى. فهل بات التونسيون، شعبا وطبقة سياسية مدركين بألاّ فرق كبير بين مختلف الأحزاب السياسية في اختياراتها الاقتصادية والاجتماعية وأن العنصر المميّز بينها هو ما يتصل بالصراع الذي لم ينته حول هوية البلد وهوية شعبه وعلاقته بدينه ومقتضيات عصره؟

يبدو أن الأمر جار على هذا النحو ما لم تنجح أحزاب سياسية معارضة في تقديم رؤى وبرامج واضحة، مقنعة وممكنة التنفيذ على المستوى الاجتماعي والاقتصادي تقطع مع المنوال اللّيبرالي الذي ينزع إلى خوصصة متوحّشة تنذر بمزيد من التفاوت الاجتماعي والجهوي.