الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



أفكار

ترحل الأجساد وتخلد الأساطير


بقلم : منيرة رزقي

كان هنا بيننا حاضرا ذات صيف بكل جلاله وكبريائه ، راقصا كفراشة ربيعية رغم أنه يجرّ خلفه عقودا من الزمن لم تؤثر قيد أنملة في طاقته الإيجابية وحيويته اللّتين كانتا شاهدتين على تجليه على ركح المسرح الروماني بقرطاج.

كانت تلك الصائفة الإستثنائية بكل المقاييس عندما كانت زيارته إلى تونس حدثا برزت تجلياته واصداؤه في الصحافة العالمية.

عن ذلك الأرميني صاحب الصوت الخالد شارل ازنافور نتحدث عن ذلك الذي ملأ الدنيا غناء وحملنا معه الى بلاد العجائب كما «أليس» في القصص الخيالية.

هو ذاك البوهيمي النحيل الذي توقف الزمن عنده في سن العشرين ورغم الأخاديد العريضة التي حفرتها الأيام على وجهه إلا أن صوته ظل شابا على الدوام لا يعرف الأفول.

هو أحد الذين حلّقوا باللغة الفرنسية في سماء بلا حدود جاعلا لغة فولتير تحتل القلوب والعقول وتكتسحها بنغمة وكلمة عذبة وصوت شجي وما قام به يعادل ما يقوم به جيش عرمرم ذو ترسانة لا تقاوم.

وقبل وبعد كل تلك التفاصيل هو الذي صنع اسطورته الشخصية بالعرق والدموع ككل العباقرة الذين يمشون على الشوك ليصوغوا قصص نجاحهم ويخلدون كما الأساطير.

ذلك هو الفن الجميل في أعتى تجلياته عندما يسقط الأوراق الثبوتية عن الفنان ويجعل قلوب الناس جنسية له .

لذلك ليس من المفيد في شيء أن نبحث في هوية ذاك الكائن الذي جعل حياته مكرسة لمنحنا المتعة والسحر والدهشة.

يرحل شارل ازنافور متلفحا ثوبه الاسود بعد أن عاش ما يربو عن قرن من الزمان ، هو عمر من الإبداع والتألق رحلة تراوحت بين العذاب والمعاناة والنجاح والإشعاع.

هي مسيرة رجل محمل بذاكرة مثقلة من الوجع لكنه طوعها لتكون مجدا وخلودا متناسيا الحقد المتوارث بين الأمم والشعوب ومحاولا محق أثار الحروب النفسية والدمار الذي يلحق بهشاشة الكائن بفعل السياسة والتطاحن الذي يعم العالم في كل الازمنة والفترات.

ولعلها رسالة الفن الخالدة أن يرمم ما يخربه الآخرون يجيء خلفهم ليزرع الورود بدل الألغام التي تنفجر في وجوه البسطاء ينشر الشذى الذي يقتل روائح النابالم والموت.

لهذا استحق شارل ازنافور أن يلج نادي الخلود وصناعة البهجة الأبدية ونال عن جدارة واستحقاق لقب ساحر الأغنية الفرنسية دونما منازع او فرانك سيناترا للغناء الفرنكوفوني كما يحلو للانقلوسكسونيين ان يسموه وليس هذا فحسب فعندما طويت اخر نوتات ازنافور وانتهى جسده الى الفناء زفّت موسيقاه واغانيه الى عالم الخلود السرمدي حيث الفن سلاح قاتل ضد الحقائق المميتة.