الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



على وزن الريشة

تونس التي تليق بالفلسطيني العظيم إدوارد سعيد؟


بقلم: حسن بن عثمان

بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لرحيل العالم العلاّمة في دنيانا الحديثة الفلسطيني إدوارد سعيد، أكتب هذه الكلمات المنفلتات، التي قد لا تليق بالمنجزات المعرفية المذهلة لإدوارد سعيد صديق الشاعر محمود درويش وعرّابه في العبقرية الإبداعية وتجديد التعريف بالأساطير الدينية والشعرية وبداية الخلق وآفاقه. وأنا أستحي من معرفتي الصحفية على وزن الريشة، بين المعارف والآداب والفنون الثقيلة في الميزان، الخفيفة في اللسان.

أعتقد أن تونس، هذه البلاد الصغيرة التي تكاد أن تكون بلا ذاكرة ولا ذكر في الوجود، لولا بعض الإنبثاقات الحضارية والأسماء والأدوار في التاريخ والجغرافية.

تونس، الجمهورية التونسية، التي تكاد لا تُرى في الوجود البشري، إذ تظلّ تونس، تظل في البداية والنهاية ليست بلاد إنجاب الأنبياء والرسالات والإنسان الأوّل، مثل العراق ومصر وفلسطين وكل بلاد الشام، كما أنها ليست الإمبراطورية الفرنسية ولا الألمانية ولا الروسية ولا الصينية ولا إمبراطورية رأس المال في العالم مثل أمريكا ودولارها الذي يتحكم في كل العملات ويتحكّم في التنمية والأسواق والمعاملات الصرفية والنحوية والرسمية في كل العالم.

تونس بلاد صغيرة بطزينة مليون بشر، لا تساوي قرية في الهند ولا حيّا من أحياء الصين الشعبية ذات المليار ونصف من البشر، ونيّف.

ولكن تونس تظل دائما لها لسان طويل أطول من الزمان والمكان وحيرة الإنسان، لأنها بلاد بلا أنبياء ولا رسل ولا مهمة رسالية للكون، منذ خلقها الكون، ولا تفتخر بالرسالات ولا تفتخر بلادنا بالعباقرة ولكنها تفتخر بشيء نادر واحد وحيد في الكون، أنها بلاد الله على باب الله، ولم تضيّع ثقتها في الله في مختلف صوره ومختلف حضوره ومختلف تجلياته وأنواع من يدعون السلطة باسمه، فقد كانت تونس قاسمة الجبابرة وداحرة الطواغيت ومسفّهة كل المعاني المعتدّة بالمعنى، وكانت دائما وأبدا حارسة منارة البحر الأبيض المتوسط، كأنها من الديوانة أو حرّاس الحدود في الحضارات والثقافات والمعاني الراكزة أو الراكدة، عند تلاطم الأمواج والموت غرقا أو احتراقا أو احتجاجا حين يعمّ الفساد في البلاد وفي الكون أجمعين.

تونس هي وريثة نداء نسوة قرطاج اللواتي يقتلن أبناءهنّ ويلقين بهن إلى النار، ويلقين بأنفسهن بعد أولادهن، وهن يهتفن:

ـ النار ولا العار

 

كثيرا ما افتخرت تونس ونخبتها أنها أنجبت كبار العارفين مثل الولي الصالح سيدي بلحسن الشاذلي، وكبار المؤرخين مثل ابن خلدون، وكبار الشعراء مثل الصوفي ابن عربي الذي استوطنها ومرّ بها مرور الكرام من أندلسه الضائعة، ومثل الأديب محمود المسعدي الذي كان ذكره مقترنا بدولة الاستقلال والوجودية المؤمنة، ومثل أبي القاسم الشابي، شباب كل الثورات في الدنيا، ومثل الشاعر أولاد أحمد الذي ادعى أنه قايد الثورة التونسية الشعرية، ومثل الباجي قايد السبسي الذي يدّعى أنه صاحب الثورة، وليس صاحب الحمار، ومثل راشد الغنوشي الذي يدّعي هو الآخر أنه صاحب فكرة الإسلام والديمقراطية وترويجها في العالم...

 

تونس لها ذاكرة تاريخية وماضوية حيّة، ولكن ليست لها ذاكرة حاضرة حيّة ولا تذكر المستقبل، حتّى على سبيل الإيمان بالله، وبـ «إنّ بعد العسر يسرا، إنّ بعد العسر يسرا»... كأنها بلاد يائسة من المستقبل، رغم أنها أنجزت ثورة في الوقت الضائع، حين نسيت البشرية معنى الثورة ولفظها... ثورة غريبة عجيبة أنجزها الشباب وتولاّها الكهول الهرمون وتولاّها الشيّاب والعجزة والعجائز، تولّوها دون أن يبرهنوا على أية معجزة من المعجزات في الاضطلاع بأدوارهم التاريخية في المسرحية التونسية المفتوحة على كل الختامات، وكل رفع للستار والستر، وكل النهايات الرائعة أو المريعة، لهؤلاء الذين اعتلوا مسرح البلاد التونسية السياسي، وقبلهم جميعا المسرحيّ الأكبر الحبيب بورقيبة الذي كان يدوّن في خطابه لحظات الصمت والبكاء والتمخّط والسياق والجانب الدرامي... فقد كان بورقيبة مسرحيا مُبهرا أنجب لنا مسرحا بعده مازالنا نواصل ذكاءه ونواصل عذابه، بين الضحك والتكشير، والضحك كالنحيب، والهزل كالهزال.

 

أقول كلامي هذا وأنا مفتون بالبلاد التونسية، والفتنة أشدّ من القتل، ومع ذلك مرّت الأمور بسلام بيني وبين البلاد التونسية، إلى حدّ الآن، وأنا لا أرغب في شيء إلا أن تكون تونس قِبلة العالم، قبلة العالم التي تُحيي قبلة المسلمين وقبلة المسيحيين وقبلة اليهود وقبلة الأمريكان والروس والصين واليابان...

قبلة أفريقيا، فتونس هي أفريقيا باسمها القديم المنسيّ، وبكل مهجها وألوانها وما تتعرّض له القارة الأفريقية من ظلم ذوي القربى، قبل ظلم ذوي البُعْدَى وآكلي لحوم البشر؟

 

أكره ما أكره في حياتي هي الشكوى والبكائيات، فضلا عن المدح والقدح، والرثاء والقسوة؟ فالحياة هي شعر متقلّب المزاج ولا يمكن أن يستقر على بحر من البحور أو تفعيلات من التفعيلات... ومع أن تونس الحديثة لا حظّ لها في أسماء شعراء الحداثة، لو لم يسعفها ذلك الفتى الذي اسمه بلقاسم الشابي، ومات وهو في بداية شبابه، شعلة توهّجت للحظة وظلّت متوهّجة في البلاد، فبلقاسم لخّص أطوار الشعر وفتنته في بعض الكلمات، ثم غادر سريعا ركح الحياة، بطريقة تذكّر في أخطر أنواع الشعراء من الجاهلية إلى مطلق الحداثة، في الجاهلية مثل «تأبّط شرّا» و«الشنفرا»، وفي الحداثة الغربية مثل «رامبو»، الشاعر الفرنسي الرهيب «العابر بنعال من الريح»، كما قدّمه للغة العربية الشاعر اللبناني صديقنا وصديق أولاد أحمد «شربل داغر».

 

تونس دائما كانت لها أسماء في الإبداع مشكوك بهم وبها، ومشكوك في نسبهم لها، من حنّبعل إلى الوزير الفلاحي القرطاجي «ماغون» إلى الوليّ حنين بن اسحاق اليهودي، إلى القديس أوغسطين المسيحي، وكنيسته على ربوة ضواحي قرطاج الرئاسة، ومن هناك حدّد طبيعة الدين المسيحي السمح... هناك على ربوة قرطاج وعلى ضواحيها أقام كبار القوم، وفي مدينة تونس القديمة أقام آخرون وسكنوها للأبد، من أمثال ابن خلدون وبلحسن الشاذلي وبن عروس والسيّدة المنوبية والعزيزة عثمانة، من آل بن عثمان، ولا أعرف انتسابي الدموي أو السلالي لهم، ولكن أعرف شيئا واحدا وحيدا أنني أتشرّف بالانتماء لهم، انتماء تشريف لا تعريف ولا تكليف، مثل انتمائي لعائلة الطاهر بن عاشور، الشيخ الذي أرسى نوعية الإسلام السياسي التونسي، في عهد الزعيم الحبيب بورقيبة، الزعيم الذي حاول مضاهاة النبي العربي الأمّي، وكان بورقيبة يرغب في محو الأمية، ولم يكن يميّز بين الأمية والجاهلية والحداثة، وكان ممثلا مسرحيا سياسيا تونسيا يليق بالأمية والجاهلية والحداثة، في أزياء دراما المسارح... وقد انتميت لدولة استقلال بورقيبة بطيب خاطر، دون أن أسمح لنفسي بمواصلة الدراسة في مدرسة الجمهورية البورقيبية، التي طالما افتخر بها الأستاذ حمادي بن جاء بالله، أستاذ الفلسفة في الجامعة التونسية، ابن بلدتي من ضواحي الوطن القبلي.

 

تونس، محبّة في تونس، ومحبّة في الذاكرة الجمعية، التونسية والإنسانية، أرغب في التقدّم بمقترح يليق بتونس التي هي بصدد محاولة الخروج من مأزق الفوضى والثورة التي بلا عقل، أقترح أن تتبنّى تونس، ابنها بالتبني، إدوارد سعيد، خصوصا وأن تونس في عهد الاستقلال اعترفت بالتبني كأنه المتبني من صلب من تبناه.

 

علاقة تونس بميناء صيدا في لبنان هي علاقة قرطاج بالفينيقيين، وقدوم عليسة وجلد الثور، حسب الأسطورة وحسب التاريخ، أما ما شهدناه من تاريخ فإن تونس احتضنت الفلسطينيين وقضيتهم العادلة في وطنهم وفي التاريخ مقتلعين من الجغرافيا، واحتضنت تونس الجامعة العربية حين غضبت العراق عن مصر الجامعة العربية وزعامتها العربية لكل العرب، وتعرّضت تونس جرّاء احتضانها للفلسطينيين إلى قصف إسرائيلي عدواني غاشم وقاتل، رغم أن تونس لها نصيب كبير في يهود إسرائيل، المنحدرين من العنصر التونسي، وتابعوا ما لحق بمسقط رؤوسهم من سقوط القنابل وسقوط السياسة وسقوط الضحايا وسقوط الأبرياء وسقوط الكرامة الإنسانية.

 

إدوارد سعيد كاتب ومفكر وفيلسوف وعالم علاّمة في العالم، فلسطيني كما لا مثيل له في الكون، من جهة كونه عربيا مسيحيا ولد في فلسطين المحتلّة خلال بداية غزّها. تعلّم في أفضل المدارس في الدنيا من المدارس الأمريكية في مصر إلى أعلى المعاهد والجامعات الأمريكية، وهو يعدّ من الأسماء المعرفية المرجعية في التفكير الإنساني في العالم الأكاديمي كلّه والعالم الثقافي، لأنه توصّل معرفيا خلال مسيرته العائلية ومسيرته الوطنية ومسيرته الأمريكية التي كان يفتخر بها، توصّل إلى معنى جديد في العلوم الإنسانية هو الإستشراق الذي يشتغل على الإمبريالية والهيمنة الثقافية، وكيف أن المهيمن الحضاري يشكّل ضحاياه على الصورة التي يرغب فيها، لتساعده على مزيد إخضاع ضحاياه من البشر وتشكيل وجوده القديم والحديث وفق قوّة المعرفة والاستعمار...

وشخصيا لا يمكنني أبدا تقديم تلخيص على المسيرة الفذّة لإدوارد سعيد، ولا لمعرفته الفاتنة في الموسيقى وفي الفنون التشكيلية وفي الفلسفات القديمة والحديثة، بما ينسي العرب والمسلمين والعالم أجمعين في المؤرّخ العظيم عبد الرحمان بن خلدون، على سبيل المثال...

والكبار في التاريخ لهم حضور رائع على النات والتكنولوجيا الحديثة. وليس لي ما أضيف على ذلك إلا أن تزدان تونس المدينة أو تونس الداخل، بتمثال يليق بسيّد أعتبره في العمق أنه تونسي بما دوّنه وبما قام به وبما لعبه من أدوار ستظل أبدا في تاريخ ذاكرة الفكر الإنساني وخلود المعاني.

ليت لنا في البلاد مقبرة نخلّد فيها الموتى الأحياء في أبد الآبدين، والبلاد تتلقى رغبات الدفن في ترابها السخون، الساخن بما يليق بالأولياء والصالحين، الأحياء منهم والأموات، في كل الدنيا...

 

شهدت تونس عبر تاريخها الحديث ثلاث حركات إحيائية، حركة المقاومين للاستعمار الفرنسي والارتباط بالخلافة التركية، وذلك كان مشروع حزب الدستور القديم والجديد، ثم حركة المقاومين للاستبداد الوطني في دولة الاستقلال، مثل حركة الديمقراطيين الاشتراكيين لأحمد المستيري والباجي قايد السبسي وحسيب بن عمّار، وشهدت البلاد أيضا حركة الاتجاه الإسلامي التي صارت «حزب النهضة» بفعل تدخّل بن علي صديق اللون البنفسجي، وصديق محمود درويش الشاعر الفلسطيني والعربي والتونسي والإنساني، الذي بلا مثيل، كأنه المتنبي الحديث.

وهكذا، فإنّ حركات البلاد والوطنيين فيها، كانت تعرف شيئا وتغيب عنها أشياء... بدليل أنها من حيث تصدرت محاربة المشروع الإسلامي باسم اللائكية والعلمانية صارت تونس عنوان «الإسلام والديمقراطية» وهو مصطلح لمنظّره الفلسطيني المسيحي: الروائي عزمي بشارة...

يبدو أنه لا مهرب لتونس من فلسطين، واقتران المصير، لا مهرب، إلا المساهمة في تطوير فلسطين الخالدة ذات الأسماء الخالدة في كل الأوقات.

من ذلك إدوارك سعيد الذي يذكّرنا في التونسي اليهودي العظيم جورج عدّة، فقد كان تونسيا يعرف بتمام التمام الشريعة اليهودية الراسخة ويعرف أن اليهودية والشيوعية هما مقترحان يستولي عليهما الكهنة وسدنة المعبد، ويعرف التونسي جورج عدّة، رحمه الله، وله نص عظيم في ذلك ترجمه الأستاذ مختار الخلفاوي، ونرجو أن يعيد نشره، ويعرف جورج عدة أن الإسلام هو أخو الديان الذي سعى إلى ختامها، وتوقّف علاقة السماء بالأرض وإرسال الرسل والأنبياء، ويعرف كيف يكون حوار الأديان في واقع الحروب، وكيف يكون الحوار في لحظات السلام البشري، وكيف تؤدي البدايات الأسطورية إلى نهايات مفتوحات على كل الأساطير والتدوينات والروايات والشعريات والأسماء.

 

يعلّمنا إدوارد سعيد ويعلّم العالم كلّه كيف ننقد غطرسة السلطة وجهلوتها، يُعلّم العرب والمسلمين والناس أجمعين لأنه كان يفكّر من أجل الإنسان ولم يكن يفكّر كفلسطيني يشكو ما تعرّض له من ظلم وقهر وعذاب، بل حدّق إدوار سعيد في الظلام وكتب عبارات مفيدة مازالت تضيء درب الباحثين عن الحقيقة.

ومن يرغب في الاستزادة عن المسيرة الفذّة والمعرفة الموسوعية لإدوارد سعيد نشير عليه بكتابة اسم إدوارد سعيد على النات، بأي لغة شاء؟