الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات





«أغنية حب فلسطينية» لمحمود درويش في ذكرى الرحيل


بقلم: روضة الشتيوي

يعود هذه الأيام اسم محمود درويش إلى الواجهة رغم أنه لا يغيب عنها بحضوره الدائم في ذاكرة كلّ محبّ لنصوصه حيث تنام ذكراه ويرقد شعره كلاما مسترسلا كالحكمة يدين بها كلّ من آمن بهذه العلامة الفارقة في الشعر العربي الحديث وبهذا الاسم الاستثناء. وعودة درويش هذه تجيء بمناسبة ذكرى وفاته العاشرة التي صادفت يوم الخميس التاسع من أوت الجاري، ذكرى تحمل أكثر من معنى وهي التّي تحيي شاعرا لم يمت سوى جسد ولم يغب سوى وجه ظلّت وسامته تناور المرض وتتحدّى السنين بمتاعبها ومعاناتها وصوت ستفتقده المنابر وهو يجلجل قارئا أجمل الأشعار وأعذبها وأكثرها مقاومة ووفاء لأرضه وللقضايا الإنسانيّة العادلة وما عدى ذلك فهو حيّ بيننا لا يموت.

في ذكرى الرحيل الذّي أوجع الكثيرين من عشاق شعره الآسر، احتفت مجلة «الأهرام العربي» بالشاعر العاشق لأرضه منذ طفولته الأولى والثّائر لأجلها من خلال نشر مجموعة من الوثائق والصور النادرة له من بينها أوراق تعيينه في صحيفة الأهرام وذلك ضم ملفّا موسوما بـ «محمود درويش.. أنا ابن النيل وهذا الاسم يكفيني» والمأخوذ من قصيدة كتبها الشاعر عن مصر. وقال الصحفي والشاعر سيد محمود الذي أعد الملف أنه «يتضمن وثائق تنشر لأول مرة عن أيام درويش في مصر والتي أقام فيها من فبراير 1971 وحتى عام 1973 حين غادر إلى بيروت». وأضاف قائلا «من بين هذه الوثائق قرار تعيين محمود درويش بصحيفة الأهرام في أكتوبر 1971 بتوجيه من الأستاذ محمد حسنين هيكل الذي عينه براتب 140 جنيه في الشهر».

الملف يتضمّن أيضا العديد من المساحات الأخرى التي تضمّ وثائق نادرة وقصائد ومقالات لدرويش نشرها في مجلّة «المصوّر» في مصر ولم تنشر كتبه ودواوينه وغير ذلك من المواضيع الأخرى. وإن وسمت المجلّة ملفّها عن درويش بهذا العنوان فإنها أرادت أن تذكّر مصر بتحيّة محمود درويش لها وهي التي تحتفي اليوم بذكرى وفاته من خلال هذه المجلّة ومن خلال تخصيص الاحتفاء للفترة التي عاشها الشاعر في مصر التي انتقل إليها لاجئا في بداية سبعينات القرن الماضي ولم ينس خلالها عنوان شعره الأول والأخير فلسطين فكتب لها ممّا كتب «أغنية حب فلسطينيّة» وفق ما جاء في مقال كتبه الشاعر والصحفي المصري أحمد الشهاوي تحت عنوان «سنوات محمود درويش في مصر: مقالات لم ينشرها في كتاب» وأضاف الشهاوي أنها كنت أول قصيدة يكتبها الشاعر منذ وصوله إلى القاهرة حسبما أشارت مجلَّةُ «المصوّر» في عددها الصَّادر في التاسع عشر من مارس 1971. فإن كان محمود درويش ابن النيل وإن كان لا يعرف كيف يشفى من حبّ تونس فهو يبقى فلسطينيّا لا يستثني عشقه أراض عربيّة أحبّته شعوبها شاعرا كبيرا ومقاوما يكاد يختزل في شعره كلّ أشكال المقاومة والنضال ويستنهض من خلال الكلمة عزائم أبناء فلسطين للدفاع عن أرضهم الرازحة تحت الاحتلال، فبادلها حبّا بحبّ.

عشر سنوات مرّت على رحيل الشاعر العربي الكبير محمود درويش دون أن يكون لهذا الرّحيل معنى خارج سكوته عن الكلام المباح وافتقاد الساحة الشعرية العربيّة لقصائد كثر كان سيروي بها ظمأ عشّاق شعره ومدمني البحث عن جديده... عشر سنوات مرّت ويبقى درويش ساكنا بتفرّده وقصائده الملحميّة وكلّ سيرته العظيمة في قلوب كثيرة وفي دواوينه ومؤلّفاته وفي ما يغنّيه من أشعاره الفنان الكبير مارسيل خليفة، شقيقه في الحلم الذّي ألف بينهما فصنعا أجمل الأغنيات وأكثرها حماسا وإلهابا للأكفّ وهي تعبّر عن التماهي والانصهار والإعجاب... عشر سنوات مرّت وستظلّ صورة الشاعر الكبير مرسومة في راحة كلّ طفل فلسطيني يرمي بحجارته تجاه مغتصب أرضه ومحتلّها، ومنتصبة أمام أعين الأمهات الفلسطينيّات وهنّ يهدين أبناءهنّ شهداء فداء لفلسطين ذلك أن درويش لم يكن مجرّد شاعر نظم الشعر ورحل بل هو أثر لا يمحى من تاريخ تلك الأرض التّي عرفت كيف تصنع منه رمزا وأيقونة وعرف هو كيف يحبّها وكيف يكون ابنها المشبع بتفاصيلها.