الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



أفكار

الحركة التنويرية تنتصر...


بقلم : منيرة رزقي

أعاد تقرير الحريات الفردية والمساواة الى الواجهة جدلا قديما متجددا حول امكانات انتصار الظلامية على التنوير خاصة مع تنامي ظاهرة التكفير التي ما فتئت تتخذ أبعادا جديدا وتبرز في كل مرة بأشكال مختلفة.

والحقيقة أن هذا الجدل عرفته الجامعة التونسية بشكل كبير في ستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماضي قبل ان يخفت ليعود الى دائرة الضوء بعد الثورة. وازداد حدة مع صعود الإسلاميين الى سدة الحكم.

وكانت ثمة دوما أصوات منادية بضرورة التيقظ حتى لا تحدث ردة عن المسار التحديثي الذي انبرت أصوات كثيرة من عموم التونسيين ومن النخب للتشكيك فيه واعتباره علمنة مسقطة لم تراع الخصوصيات الاجتماعية والحضارية للشعب التونسي.

وإن كانت اليقظة واجبة لكن الافراط في الخوف لا مبرر له في اعتقادنا باعتبار أن مسيرة الاصلاح والتنوير والحداثة في تونس كانت دوما هي المنتصرة.

فحركة التنوير والاصلاح التونسية التي نشأت في القرن التاسع عشر والتي ارست دعائم فكر مستنير ومنفتح ورائد في المحيط الاقليمي قادرة على الصمود وعلى مواجهة كل التيارات المعاكسة .

فكما كان التونسيون سباقين في إلغاء الرق وكان ذلك حدثا تاريخيا مفصليا وسبقوا الجميع الى ذلك، كانوا ايضا سباقين في الاجتهاد والتجديد في الخطاب الديني ورفض كل مظاهر الفقه الوافد والحامل لمعالم الغلو والتطرف انتصارا للوسطية التي عرف بها أهل تونس وحماية للمجتمع من كل مظاهر الفتن الظاهرة والباطنة ولعل رد شيوخ الزيتونة على ما أسموه في حينها ضلالة وهابية ردا على كتاب محمد بن عبد الوهاب الذي يدعوهم إلى الالتحاق بمذهبه خير دليل واقوى برهان على ذلك.

وباعتبار أن حركة التنوير والاصلاح الرائدة في تونس قد تدعمت بإرساء مشروع تحديثي دشنته دولة الاستقلال بإرادة سياسية واضحة ورؤية نخبوية تقدمية صامدة ومنتصرة على كل الرياح التي تريد ان تعصف بها وهي تواجه مختلف الأعاصير القادمة خاصة من المشرق العربي الذي كان يرزح تحت نير أفكار قروسطية.

ومع ذلك واجه هذا البلد الصغير بنخبه وساسته كل أشكال الردة إلى الوراء ولم يأبه بحملات التشويه التي طالت رموزه السياسية والفكرية.

ولم تكن الزيتونة بمنأى عن هذه الدينامية والتجديد الديني اللذين كانا حجة دامغة واجه بهما الفاعل السياسي كل الرافضين للمشروع التحديثي لاسيما في القضايا المتصلة بحقوق المرأة والتشريعات الرائدة لفائدتها وفي مقدمتها مجلة الأحوال الشخصية بما تضمنته من بنود ثورية في عصرها والى اليوم ومن بينها الغاء تعدد الزوجات وجعل الطلاق شأنا قضائيا ولا يتم بمجرد يمين يلقيه الزوج جزافا في حالات الغضب في وجه زوجته كما يحدث الى اليوم في مجمل الدول العربية.

وتبعا لهذه المعطيات التاريخية فإننا يمكن ان نجزم بأن المجتمع التونسي قادر بفضل هذا الإرث التنويري التحديثي والإصلاحي على مواجهة كل أشكال الردة والنكوص وان يواجهها بالصرامة اللازمة إذا اقتضى الأمر ذلك. اما بالنسبة الى الجدل فلاشك انه ظاهرة صحية حتى وإن تباينت الآراء وتباعدت بشكل كبير حد التناقض فإنها تظل تحت سقف الحرية المكفول للجميع وفي إطار منظومة العيش المشترك التي ينبغي أن نحميها.

ورغم هذا الجدل إلا أنه لا خوف من زحف الظلامية والسواد على تونس ولن يسيطر عليها صناع الموت ومن يحمل فكرهم مستترا على مصير التونسيين. فلا أحد بإمكانه أن يهدد المكاسب الحداثية والتقدمية فلتقرّ عيون الخائفين .