الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



نقاط وحروف

مـا لا يقــال عــن الجذور البنيوية للأزمة في بلادنا


بقلم: كمال الشيحاوي

يتجنّب معظم محترفي السياسة في بلادنا بحكم طبيعة تكوينهم والنزوع العملي والبراغماتي المميّز لسلوكهم وتركيزهم المباشر على الاستحقاقات السياسية الآنية والقريبة التوسّع في تحليل الجذور التاريخية للأزمة السياسية في بلادنا وتفكيك بنيتها. وفضلا عن اعتبار أن هكذا تحليلا هو من اختصاص أستاذة العلوم السياسية و المؤرّخين وهوّاة السير السياسية يرى عدد منهم أن العودة إلى أكثر من مائة سنة ربّما لتحليل أزمة راهنة غالبا ما يكون في صالح حزب ما أو رواية سياسية معيّنة تشكّل السردية الخاصة بتوجّه إيديولوجي وسياسي حاكم أو معارض. ومع ذلك فإن التذكير بالكثير من المعطيات التي باتت محلّ إجماع بين المؤرّخين للفترة المعاصرة لتونس مهمّ جدّا لتحليل الأزمة السياسية الرّاهنة في بلادنا والتعامل مع رهاناتها واستحقاقاتها بكثير من الصراحة والوضوح والجدّية في المستقبل القريب والبعيد أيضا.

ومن المعطيات التاريخية والسوسيولوجية التي ينبغي أن نضعها في اعتبارنا عند القيام بأي تحليل لأبعاد الأزمة السياسية هي أن تونس كانت حاضنة لتوجّه اصلاحي، مدني، دستوري، بملامح وضعية بارزة تجلّت في التأكيد على المساواة المدنية والدّينية سواء في عهد الأمان سنة 1860 أو في مسودّة دستور 1861 وفي المزاوجة بين التعليم العصري والتقليد الإسلامي الزيتوني كما ظهر في المدرسة الصادقية. ومع تشكّل أول حزب سياسي هو «تونس الفتاة» من مجموعة من خريجي الزيتونة يقودهم «عبد العزيز الثعالبي» والذي تحوّل فيما بعد إلى حزب الدستور تدعّم النظر العصري للقرآن والإسلام والدعوة الى المساواة والحرّيّة المستوحيين من الثقافة الغربية/الفرنسيّة خاصّة. وقد تكوّن هذا الحزب في سنة 1920 من حرفيين وتجّار وشيوخ دين وأعيان تضرّروا اقتصاديّاً من الحماية الفرنسيّة، داعين إلى دستور جديد وبرلمان منتخب. وتزامن ظهور هذا الحزب مع انبثاق أوّل منظّمة نقابية أيدت الدستور والمطالبة ببرلمان وبالاستقلال. ويعدّ الطاهر الحدّاد أنموذجا معبّرا عن هذا التمازج الفريد، فهو زيتوني التكوين، عصري المنهج والتفكير، متحمّس لدور النقابات والأحزاب من أجل تحقيق السيادة والاستقلال. ويمكن القول في شيء من الاختزال أن حسم المعركة السياسية لصالح «بورقيبة» في علاقته بالحزب القديم أو في خلافه مع صالح بن يوسف ثمّ مع المجموعات القومية واليسارية المعارضة قد رسّخ الحكم الفردي الرئاسوي للزعيم ومكّنه من السيطرة على كلّ المجال السياسي ولم يبق له من معارض جدّي وحقيقي سوى في المجال الاجتماعي ونعني بذلك اتحاد الشغل الذي تصادم معه في ظروف اجتماعية صعبة سنتي 1978 و1984. وعلى بعض الاختلافات والآراء المتضاربة في بعض التفاصيل فإن الثابت أن بورقيبة قد شكّل شرعية لرؤيته السياسية بصفته المحرّر والمجاهد وباني الدولة الوطنية الحديثة ومناصر المرأة والقيم التحرّرية الحديثة والمتحمّس للاستثمار في التعليم والصحة والتنمية وقد تزامن كلّ ذلك بلهجة سياسية وفكرية حازمة تجاه التيارات المحافظة في تونس بمختلف تعبيراتها الدّينية وغير الدّينية أدّت إلى ردود فعل متشنّجة في علاقة بالصيام مثلا . وممّا أضعف المشروع البورقيبي سياسيا وفكريا هو فشل الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية سواء مع تجربة التعاضد أو مع الانفتاح اللّيبرالي المتسرّع وقد أدى ذلك الى تزايد نسب البطالة وتردي التعليم والصحة والخدمات بشكل عام وقد عرفت «الجماعة الإسلامية» التي تحوّلت إلى «حركة الاتجاه الاسلامي» ثم حركة «النهضة» اليوم كيف تستثمر هذه الأزمات وتقدّم نفسها باعتبارها بديلا شاملا لمنظومة تعتقد أنّها غربية «فرنكفونية» قد عزلت الشعب عن جذوره وهويته الدّينية مستفيدة من تيار «الصحوة» وبروز الإسلام السياسي في كامل المنطقة العربية والإسلامية (الإخوان في مصر، طالبان في أفغانستان، والجمهورية الاسلامية في إيران، والجبهة الاسلامية في الجزائر، إلخ). وفي خضم معركته السياسية مع عدد من الأحزاب والتنظيمات اليسارية كما مع اتحاد الشغل لعب الحزب الحاكم زمن «محمد مزالي» المعروف بدفاعه عن اللّغة العربية والهوية في ثمانينات القرن الماضي ورقة الإسلاميين، فدعمهم وكان ينشر مجلتهم «المعرفة» في مطبعة الحزب وهو ما قام به «السادات» في مصر مع «الإخوان»، كلّ ذلك من أجل المناورة والاحتفاظ بالسلطة والدولة التي كانت تتهاوى اقتصاديا وسياسيا.

ومن أجل إضفاء شرعية سياسية لانقلابه الأبيض على بورقيبة، دشّن بن علي فترة انفتاح طالت الأحزاب والإعلام والجامعة، كما أطلق سراح المساجين السياسيّين، وقدّم تنازلات لدعاة العروبة والإسلام، مغيّراً اسم الحزب إلى «التجمّع الدستوريّ الديمقراطيّ».

ثمّ أطلق صفارة النهاية لهذه الفسحة بعد انتخابات 1989 وانطلق في حملة اعتقالات طالت الإسلاميين وأنصارهم مستفيدا من لجوء بعض هؤلاء الى العنف والإرهاب ومن العشرية السوداء التي عرفتها الشقيقة الجزائر. وفي كلّ مرّة يتزايد الحديث عن انغلاق النظام وطابعه التسلّطي والبوليسي والقمعي لمعارضيه ونجاحه في تحطيم الحياة السياسية وإفراغها من أي محتوى حقيقي (نتذكر الحديث عن أحزاب الديكور) تأتي أحداث دولية لتزيده عمرا جديدا من ذلك الهجمة الارهابية المروعة لسنة 2001 في أمريكا وحرب الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها على النظام العراقي واحتلالهم البلد في سنة 2003. وقد ساهمت كلّ هذه المعطيات لا في إضعاف خصوم النظام النوفمبري فقط بل في إضعاف النظام ذاته وحزبه وأنصاره الذين باتوا بلا عدو وبلا حماس وليس أدلّ على ذلك من الشكل الفلكلوري الذي واجه به الحزب ثورة 2011 حين أخرج بعض الناس للادعاء بأنهم يناصرون الرئيس في أيامه الأخيرة وبين خطابه الثاني والثالث.

إن ما نريد أن نذكّر به عبر هذه القراءة المكثّفة والسريعة أنّنا اليوم ومنذ ثورة 2011 ندفع ثمن تأخر الحياة السياسية وتحطيم طبقتها وإفراغها من أي محتوى خلال حكم «بن علي» خاصّة. وهو واقع استفادت منه حركة «النهضة» التي لم تعد لها من قوّة تردعها عن الهيمنة والتسلّط اليوم سوى دستور 2014 الذي يغلب عليه الطابع المدني والحقوقي بشهادة أكثر أساتذة القانون الدستوري كفاءة ونظام سياسي وانتخابي شبه برلماني يمنع أو على الأقل يقلّل من إمكانيات الاستحواذ على السلطة وتيار إصلاحي هام حريص على الدّفاع عن نمطه الاجتماعي ومشروعه العصري رغم كل الإخفاقات وقد ظهرت قوّته في تجمّعه حول حزب «نداء تونس» في انتخابات 2014 ومنظّمات المجتمع المدني العريقة ومنها اتحاد الشغل الذي شكّل باستمرار عنصر توازن اجتماعيا قويا، في لحظات ضعف الطبقة السياسية.

إن ما ينبغي أن نقوله صراحة هو أن السياق والرّهانات التي حقّقت التوازن في انتخابات2014 والتي ضعفت معها «النهضة» بسبب الاغتيالات والإرهاب والسيناريو المصري خاصّة وخوف التونسيين على نمط حياتهم لم تعد صالحة اليوم بدليل نتائج الانتخابات البلدية وما تشهده الطبقة السياسية المعارضة من تمزّق وخصوصا ما يعيشه «حزب نداء تونس» من تلاش ولأجل ذلك كلّه فإنه من الضروري في تقديرنا الكف عن شيئين أوّلا، اعتبار المشكل في طبيعة النظام السياسي (فالنهضة قوية وسيكون لها دور هام سواء في البرلماني أو الرئاسي) وثانيا القول بأن المشكل في التوافق المغشوش بين النهضة والنداء ذلك لأنّ إكراهات النظام السياسي البرلماني وحجم التيار المحافظ في تونس سيجبران الأحزاب الفائزة مهما كانت طبيعتها حتى «الجبهة الشعبية» للتعامل مع النهضة التي يرشّحها أغلب المحلّلين ليكون لها نصيب هام في استحقاقات 2019 وذلك بأي شكل، لأن غير ذلك هو نسف كلّ العملية السياسية برمتها والعودة الى المربّع الاستبداد الذي لن يعود إلاّ في شكل مأساوي. إن المطلوب إذن هو الإسراع برص الصفوف وتكوين جبهة أو ائتلاف جديد بمرتكزات جديدة مقنعة اجتماعيا يمنع «النهضة» التي لم تترك شقها الدّعوي ولم تتخلّ عن ارثها الإخواني ونزوعها التقليدي السلفي (يبرز ذلك في شيطنة أنصارها وبعض قادتها الفكرية لتقرير الحريات والمساواة) من السيطرة الكاملة على المجتمع التونسي لمدى طويل. وما عدى ذلك مجرد تمضية للوقت وتعنّت ومكابرة وإصرار مرضي على الخطإ والمناورة التي لم تعط أية نتيجة.