الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



هكذا أرى

الرشيد إدريس الذي ساهم في إعلان الجمهورية!


بقلم : محمد مصمولي

... الرجل الذي كان لي شرف التعرف عليه في أواخر حياته، وكنت أستضيفه في بعض برامجي الإذاعية والتلفزية، الى جانب زيارته في منزله بقرطاج، أو في مقرّ «جمعية الدراسات الدولية» التي اشتهرت بنشاطها المكثف والمتنوع في مجال العلاقات الدولية، وبمجلتها التي كان يسهر على حظوظها بكفاءة عالية.... وكان أعضاء أسرة تحريرها ثلة من الأساتذة الجامعيين والديبلوماسيين، هو المرحوم الأستاذ الرشيد إدريس الذي أغتنم فرصة احتفال تونس بالذكرى الواحدة والستين لإعلان الجمهورية... لأرفع تحية وفاء الى روحه الطاهرة باعتباره قد ساهم في هذا الإعلان عن الجمهورية التونسية الأولى في التاريخ...

... فهذا الرجل المتواضع برغم عظمته هو المناضل الدستوري الأصيل الذي خاض غمار الكفاح التحريري منذ شبابه الباكر في مطلع الثلاثينات من القرن العشرين، وقاد المقاومة في مطلع الأربعينات... وهو لم يبلغ بعد الخامسة والعشرين من عمره، قد سخّر حياته منذ ذلك التاريخ للقضية الوطنية وضحى في سبيلها بالغالي والنفيس... متحملا السجن والإبعاد والإضطهاد من قبل السلطة الاستعمارية التي ذهب بها الأمر الى الحكم عليه بالإعدام غيابيا... حين كان خارج حدود الوطن يحمل مشعل الكفاح الوطني، متنقلا بعدّة أقطار في أوروبا والعالم العربي وآسيا والقاهرة، وممثلا للحزب الدستوري في كل من أندونيسيا وباكستان والقاهرة.

... وإثر إعلان الحكم الذاتي في تونس 1955 عاد الى بلاده فكلّف بإدارة جريدة «العمل» لسان الحزب الدستوري، وشارك في انتخابات المجلس القومي التأسيسي وأصبح عضوا به، وبهذه الصفة ساهم في إعلان الجمهورية.

... في بداية الإجتماع الحاسم الذي إلْتَأَمَ يوم 25 جويلية 1957، وبعد كلمة رئيس اللجنة السيد أحمد بن صالح، طلب الرشيد إدريس الكلمة وألقى خطابا تحليليا جاء في بدايته:

ـ:«... إنّنا اليوم نجتمع لتقرير شكل الحكم كتمهيد للدستور المنتظر الذي نعمل له منذ أكثر من سنة ...(...) ونحن نريد كلمة صريحة لا لبس فيها ولا شبهة. نريد أن نعلم الصيغة التي تكون بها سيادة الشعب، نريدها كلمة واضحة، لا لبس فيها ولا إلتواء، نريدها جمهورية حرّة...!»

.... هكذا قال الرشيد ادريس وتقبّل المجلس التأسيسي طلبه بالاستحسان، فختم خطابه بما يلي:

ـ:«بقي لنا أن ننظر في النظام الذي ينبغي أن يقوم على سيادة الشعب. هنالك رأيان: الرأي الأول هو «الملكيّة الدستورية»، هل لنا مصلحة في الملكيّة الدستورية؟ لقائل أن يقول أن الملكية الدستورية فيها استقرار إذا ضبطناها بالدستور... فإنّه لا يخشى منها، ولكن هذا رأي مثالي، ويمكن لنا أن نتخلص من هذا النوع من الحكم، ونضع محلّه ملوكية جديدة، فإنّنا نصطدم... أولا... باختيار العائلة التي يتوارث فيها الأمراء الملك، ثم مالنا ونظام التوارث إنه كاليانصيب قد يأتي فيه الصالح وقد يأتي فيه المفسد المخرب، فلا ينبغي أن نضع مصير شعبنا في أيدي عائلة من العائلات بل لابدّ أن يبقى مصير الشعب بيده كيفما يشاء، لأنّ خلع الملوك أصعب بكثير من الانتخاب، وأصعب بكثير من استبدال رئيس الجمهورية برئيس آخر...».

وعندما أشار نائب المجلس التأسيسي رشيد إدريس الى أفضلية الحكم الجمهوري على النظام الملكي... غادر سفير المملكة الليبية القاعة احتجاجا وغضبا...

... إثر كلمة رشيد ادريس توالى الخطباء مؤيدين قيام النظام الجمهوري... وفي ختام الجلسة جاء دور الزعيم الحبيب بورقيبة الذي كان يشغل منصب رئيس الحكومة فجاء في خطابه قوله :

«بحيث ان عملنا هذا ليس موجها ضد شخص او فرد مهما كانت الفظائع التي ارتكبها وانما عملنا هو قيام بالواجب واضطلاع بالمسؤولية وانا اعتقد بكل تجرد ونزاهة ان الملوكية الفردية منها والدستورية مضرة لا يمكن الاطمئنان اليها او الوثوق بها بينما الجمهورية اذا عرفنا كيف نقوم بالواجب تجعل من هذا الوطن جزءا مشاعا، كل فرد مسؤول عنه ومن واجبنا ان نتكامل ونتحد دائما في سيرنا فالنظام الجمهوري يرتكز على هذه المبادئ وهو الصالح للأمة...».

وإثر ذلك رفعت الجلسة لتمكين لجنة الصياغة من تحرير القرار... ثم التأمت من جديد فدعا رئيس المجلس السيد جلولي فارس الرئيس الحبيب بورقيبة الى المنصة وصفق النواب تصفيقا حارا له وانشدوا «حماة الحمى».

وبعد النشيد تقدم رئيس المجلس وقال : اتلو عليكم القرار العظيم بإسم الله الرحمان الرحيم نحن نواب الامة التونسية وتدعيما لاركان إستقلال وسيادة الشعب وسيرا في طريق النظام الديمقراطي الذي هو وجهة المجلس في تسطير الدستور نتخذ بإسم الشعب القرار التالي نافذ المفعول حالا :

- نلغي النظام الملكي الغاء تاما...

- نعلن ان تونس دولة جمهورية

ـ نكلّف رئيس الحكومة السيد الحبيب بورقيبة بمهام رئاسة الدولة على حالها الحاضر، ريثما يدخل الدستور في حيز التطبيق ونطلق عليه لقب رئيس الجمهورية التونسية...

ـ نكلف الحكومة بتنفيذ هذا القرار وباتخاذ التدابير اللازمة لصيانة النظام الجمهوري كما نكلّف كلا من رئيس المجلس والأمين العام لمكتب المجلس والحكومة بابلاغ هذا القرار الى الخاص والعام..

أصدرناهُ في قصر المجلس بباردو في 26 ذي الحجة لسنة 1376 وفي 25 جويلية سنة 1957 على السادسة مساء.

.. جلولي فارس رئيس المجلس القومي التأسيسي..».

 

.. وهكذا حسم المجلس في يوم واحد نظام الدولة الجديد، إذ إجتمع من الساعة التاسعة وعشرين دقيقة صباحا الى الساعة السادسة مساء.

هذه هي حكاية مساهمة الرشيد ادريس في إعلان الجمهورية، كما رواها هو نفسه في كتابه الضخم (550 صفحة) تحت عنوان (في طريق الجمهورية) والصادر في بيروت عن دار المغرب الاسلامي.. سنة 2001، بتقديم الأستاذ حمادي الساحلي شخصيا وقد كان لي شرف التعرف على هذا الرجل الفذ والمناضل الوطني الصادق، لكنني، بحكم إنتاجي الإذاعي والتلفزي لبرامج ثقافية، فقد كانت أحاديثي معه حول كتبه الصادرة بالعربية وبالفرنسية وهي تجمع بين أدب المذكرات والشعر، وبين فنّ السرد والكتابة التاريخية.

وممّا شدّني اليه هو إيمانه بدور الثقافة في تحرير البلاد، وقد خصّص الفصل الاول من كتابه (أصداءُ كفاح) للتطرق إلى هذا الموضوع تحت عنوان (المقاومة الثقافية) مؤكدا أنّ الثقافة هي في نفس الوقت أساس المقاومة.. وثمرتها..!

رحمة الله على هذا الفقيد العزيز والنادر المثال.