الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



على وزن الريشة

...وعن سمير الوافي، في سياق «المهرجانات»؟


بقلم: حسن بن عثمان

يتّسم المشهد العام للبلاد التونسية، خلال هذه المرحلة المدلهمّة بالغيوم السياسية السوداء التي تمرّ بها البلاد، في فصل صيفها الياسميني، بالمهرجانات وحفلات الفنانين والفنانات بالأموال الطائلة والعملة الصعبة، ومدينة جديدة للثقافة تشتعل أضواؤها الكهربائية في انتظار أضوائها وأنوارها الفكرية والجمالية، وهناك المصيفون والمصيفات على شواطئ البلاد التي صارت قبيحة ومتسخة في عهدة البلديات السابقة، ولا جهة تهتم بالنظافة والرفاهة وإشاعة قيم التمدن والرقي و«فرحة الحياة» كما كان شعار دولة الاستقلال في بدايتها البورقيبية ذات القناعات الصميمة في محاولة الخروج بالبلاد من التخلّف الحضاري من خلال محاربة الرجعية والجهل والمرض والفقر، وكانت بوصلة الدولة الوطنية واضحة، ولكن الرياح التاريخية لم تكن مواتية لما يشتهيه ربّان السفينة، فتونس تنتمي إلى الجغرافية التي لها القول الفصل في الانتماء والشخصية الوطنية، فتونس تجاور ليبيا بجغرافيتها الفسيحة وكتابها الأخضر من جهة، وتجاور الجزائر، الشقيقة الكبرى، مساحة وفاعلية، وثورتها المليونية وشهدائها الأسطوريين، وينتمي الجميع إلى القارة الإفريقية والعروبة والإسلام، وتلك كلها عوامل ثابتة في صياغة الشخصية الوطنية بما يجعل لحاقها بركب الحضارة والتمدّن مرهونا بمحيطها الذي عليه أن يتقدّم هو الآخر، فالتقدّم لا يمكن أن يكون انسلاخا من المصير الإفريقي في القارة الأفريقية، حتّى ولو كانت البشرة سمراء أو بيضاء مثل حال سكّان شمال أفريقيا.

 

المهرجانات الثقافية، الصيفية وغير الصيفية، التي سنّتها دولة الاستقلال ونخبتها الثقافية الحاكمة من أمثال الشاذلي القليبي ومحمود المسعدي وأحمد بن صالح وأحمد المستيري، من أسماء الأعضاد في ذلك الوقت، بناة الدولة الحديثة، أسست مهرجاناتها على البعد الإفريقي وضبطت الرؤية ومجال الحركة والنجوم ونوعية طرح الجنوب لمقترحاته الفنية والجمالية والفكرية من خلال السينما، أهم فنون العصر، ومن خلال المسرح والرقص والغناء واستضافة كبار الأسماء الأفريقية الخلاّقة في القارة الأفريقية والأسماء السمراء في أمريكا الشمالية ودول العالم، فضلا عن أسماء أخرى كانت لها الطرح الريادي في مجالها وكانت مهرجانات قرطاج تساهم في تكريسها وفي نجوميتها، وتراهن على نجاحها الذي يعود لها منه نصيب. ومثال ذلك المخرج المصري ذائع الصيت الراحل يوسف شاهين، ولا تعوزنا الأسماء العربية والأفريقية مثل المبدعة «ميريام ماكيبا»، والعالمية مثل «مايكل جاكسون»، وقبله أشهر أسماء موسيقى «البلوز» للسود الأمريكان، وغير ذلك من أسماء النجوم التي كانت حين تقف على ركح من أركاح مهرجان قرطاج تعتبر ذلك وساما ثقافيا، يمكن التعويل عليه في ذكر الأوسمة الدولية وتصريفه في المحافل المرجعية.

 

المهرجانات التونسية، خصوصا منها ذات البعد الدولي والرصيد المتراكم، لها سمعة رمزية ومعنوية لدى النجوم أو الساعين للنجومية، يمكن دائما ترجمتها إلى أموال محضة، فيما لو كانت المهرجانات لها أهداف مالية محضة، أو بحتة، يحدّدها سماسرة الفن والشركات العابرة للبلدان، ولكن لا ربح معنوي ولا رمزي ولا مالي يعود للبلاد التونسية التي غادرت شخصيتها وانتماءها وصارت تتخبّط بين الشرق والغرب ممزقة الأوصال، ولم تعد لأعراسها ومهرجاناتها هويّة ثقافية تميّزها، مثلما كان حالها مع جيل الرواد، بناة دولة الاستقلال. الاستقلال الذي يكاد يضيّعه الجميع حين أضاعوا مصلحة البلاد كبوصلة وحيدة لكل فعل ثقافي أو سياسي راهن له امتداد في المستقبل.

 

بلاد بلا بوصلة في سياستها وثقافتها ومهرجاناتها، وبإمكانها أن تدفع بالعملة الصعبة للفنانين والفنانات المتوفرين والمتوفرات في كل البرامج التلفزية العربية والتونسية، ومنهم من سيقبض في صيفنا التونسي مئات آلاف الدنانير التونسية المنخفضة القيمة المالية عند التحويل إلى العملات الصعبة، من خزينة بلاد تتسوّل معيشتها كل يوم وكل شهر وكل ثلاثية وكل سداسية وكل سنة...

كنّا نتمنّى لهم ولهنّ أن يقبضوا حقوقهم المهرجانية الفنية المشروعة بدينار تونسي ينافس العملات الصعبة، ومع ذلك فإن الشعب التونسي وحكومته الراشدة يحكمون البلاد في المهرجانات بشعار: «يؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة»؟؟؟...

تونس في حيرة من أمرها، وتكاد تفقد صوابها، وإذا فقدت صوابها فذلك أمر خطير جدّا، على عقلية المهرجانات والسماسرة وأردأ ما كان يعتمده نظام السابع من نوفمبر في تلهية الشعب، مع أن نظام بن علي كان أذكى ويعتمد سياسة توفير الخبز وتوفير الفرجة في ذات الحين، ليكون سيّدا على الشعب خبزيزت، يؤمن بالخبز والماء والقليل من التسلية والمتعة المضافة.

بلاد تغرق وهي ترقص وتغنّي وتوزّع الأموال سبهللا، كما شاء لها حكامها الطارئين الجدد، بلا عوائد معنوية ولا رمزية ولا سياحية ولا اقتصادية ولا والو...

 

على ذكر المهرجانات والاحتفالات والأعراس والأموال المهدورة، وكل أنواع الهرج والمرج وما نحن فيه من إعلام يتسيّد المشهد، يرد إلى الذهن اسم الإعلامي سمير الوافي، الذي ترك فراغا في الساحة الراكدة، وهو الذي يقبع في السجن منذ سنة ونيّف، وقُبض عليه وهو في شهر عسل زواجه، ذلك الزواج الذي باركه الشيخ راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة، وحافظ الباجي قايد السبسي، ممثّل النداء، باركاه بحضورهما الساطع والمشاركة في الاحتفال الذي صارت له صبغة وطنية لنوعية الحضور. فسمير الوافي قبل أن يدخل السجن كان يعمل في الصحافة المكتوبة قبل المرئية ويكتب عن الفنّ والفنانين والفنانات والمهرجانات التونسية المتفاقمة وقت نظام السابع من نوفمبر، وتم اقتلاع سمير الوافي من مجال اختصاصه وأُلْقِيَ به في خضم السياسة والمال السياسي، من قبل الإسلام السياسي تحديدا، الذي يعمل على مثل هذه الأمور الغامضة حتّى لا يبقى في الإعلام متخصصون أو خبراء أو عاملون يعرفون الحقول والسواقي والمسارب، والإسلام السياسي هو الذي له مصلحة في طمس الحقائق وإبادة الحقول وتجفيف السواقي والمنابع، وتحويل المشهد الإعلامي إلى مسائل نجومية في غير سمائها..

وخلال ذلك كان أكبر سبق إعلامي حققه الإعلامي سمير الوافي هو تجواله في قصر قرطاج وقصر سيدي الظريف، في عهد المنصف المرزوقي، وكان يبث تلفزيا انحطاط القصر الرئاسي زمن بن علي، حسب توثيقه في الزوايا التي اختارها لتدور فيها عين الكاميرا، وتم تقديم نظام بن علي فاسدا فسادا مطلقا بلا مثيل، وبذلك دخل سمير الوافي القصر المسحور ولعنات أرجائه، دون أن يكون إعلامي الساحة الفنيّة على دراية بمخاطر الساحة السياسية وانقلاباتها العاصفة وما فيها من نكران وجحود وسجون وقتل بالموت أو بالحياة، وكان الإعلامي المكرّس منساقا لشهوة النجوم والشهرة...

لن أنسى طول بال سمير الوافي كلما استضافني، لن أنسى له ذلك، وكنت أطالبه دائما بأجري المالي من عائد حصّته، فأنا صحفي محترف، ولا يجوز لي المشاركة في أي عمل إلا حين يكون مدفوع الأجر المعلوم، فتلك حرفتي... وتلك مسألة أخرى، يمكن تفصيلها إذا عاد سمير الوافي إلى عمله الإعلامي المطعون في ظهره؟

ومع كل الحيثيات والملابسات المعلوم منها وغير المعلوم، فضلا عمّا يعلمه الجميع من قضية سمير الوافي، فليس من المعقول ولا من الإنصاف ولا من العدالة أن يُلقى بسمير الوافي في السجن ويظلّ أعرافه الذين زيّنوا له عمله لا يطالهم القضاء، فالعدالة واجبة لكل الإعلاميين المسجونين منهم ومن هم في حالة سراح، ولا يختلفون عن المساجين إلا بالحنين للحرية، حرية حضور المهرجانات مجانا، في أغلب الأحيان...

مسكين الإعلامي سمير الوافي فلا صوت له في الإعلام بعد حبسه، رغم أنه كان سيّد المشهد، وكان المتملقون له يفوقون أعداد الأشدّ تملقا لصوته وبرنامجه، ومنهم من بيدهم السلطة، أو هكذا يوهمون؟...

سمير الوافي درس كبير في الإعلام التونسي لا يتركون لنا فرصة الإطلاع على ذلك الدرس وتدبّره وتصريفه كموعظة، لأن ساسة البلاد الراهنة بلا بوصلة ولا موعظة ولا قدوة ولا تقوى ولا حرمات... ويحسبون أنهم أحرار في المصير والقرار؟

أما السيّد المسيح، عليه السلام، فقد جاء على لسانه في الأناجيل:

ـ بالكَيْل الذي تَكِيلُونَ بهِ يُكَالُ لَكُمْ

 

من سمير الوافي إلى سمير العقربي، ولكل واحد منهما مقام في ذهني المهرجاني واهتمامي الإعلامي والثقافي والسياسي، وكل ذلك «على وزن الريشة» حتّى لا أتورّط أكثر مما أنا فيه من ورطات مع الأسماء المتشابهة وغير المتشابهة.

أما سمير العقربي فهو موسيقار تونسي كبير يتعفّف عن الأموال والشهرة والنجومية، ويعاني فنّه الموسيقي معاناة الإيمان والمأساة، وهو منذ «الحضرة» و«النوبة» في بداية التسعينات من القرن الماضي لم يشتغل على ركح مهرجان قرطاج، رغم أن عرضي «النوبة» و«الحضرة» للموسيقار سمير العقربي والمسرحي الفاضل الجزيري صارا من علامات ذاكرة البلاد التي تغذت عليها طيلة عشريتين من الزمن، ثم صارت نهبا لجميع الفرق الغنائية وجميع التلفزات التي لا تجد ما تشتغل به أو ما تبثه في المناسبات الدينية والدنيوية في حالة فقرها الوطني المدقع في مجال الإنتاج الإبداعي والخيال الفريد، فقرها المدقع الذي لا بصمة ولا نبرة تظل تتردّد فيه. أما المبدعون الوطنيون فهم يكافؤون بالإهمال والتجويع ونكد العيش ومزيد إغراقهم في مأساة فرادتهم وعبقريتهم المشبوهة.

لنا في تونس موهبة كبيرة في تبديد ثرواتنا من المواهب الوطنية ومشاريع العباقرة وقتلها بالحياة، وشعارنا في الثورة، مثل شعار المبدعين التونسيين في زمن الاستعمار، ثم زمن بورقيبة ثم زمن بن علي، من خلال صوتهم الرائع، العبقري علي الدوعاجي:

ـ عاش يتمنّى في عنبة/ مات جابولو عنقود/ لا يسعد فنّان الغلبة إلا من تحت اللحود...

ومن أنذر فقد أعذر، أيها المهرجانيون والمهرجانيات، أقنعة المرحلة الأشد غباء لسياسة عجوز متهالكة تشكو الأوجاع في كل المفاصل، وخصوصا في الرؤية عن قرب وعن بعد ، وللحديث صلة عن ثقافة السجين الذي صار سجّانا، في الواقع الدنيوي وفي القَصَص الديني...