الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


نقاط وحروف
بيان أساتذة الزيتونة حول تقرير الحريات والمساواة:

في مخاطر السطو والوصاية على الهوية والدّين


بقلم: كمال الشيحاوي

كنت متردّدا بين تخصيص هذه المساحة الأسبوعية للتعليق على العمل الإرهابي الجبان والتأكيد على ضرورة النأي بالحرب عن هذه الآفة عن التجاذبات الإيديولوجية و الاستثمار السياسي في دم الشهداء على الأقل خلال فترة الحداد وبين التعليق على هذا الاصطفاف والحملات المنظّمة في بعض مؤسسات الإعلام التونسي في الحرب على حكومة «الشاهد» واستهدافه شخصيا والتي صارت من فرط صراحتها وابتذالها مثيرة للريبة و للسخرية. وليس ذلك دفاعا عن هذه الحكومة وخياراتها التي ستبيّن النتائج مدى انتهازيتها أو صدقها في الحرب على الفساد ورموزه وأذنابه وإنّما دفاعا وتذكيرا بأن المهنية التي تتطلّب دائما وجود الرأي والرأي الآخر هي التي تسند الموقف وتمنحه المصداقية والقدرة على التأثير في الرأي العام. وقد فضّلت في الأخير أن أتركهما لمن هم أقدر منّي في مثل هذه القضايا وأن أخصّص هذه المساحة لما أزعم أنّني على اهتمام به و هو مواصلة النقاش والتعليق على مختلف الرّدود التي تعلّقت بتقرير الحريات الفردية والمساواة وخاصّة في ما عرف ببيان «علماء ومشايخ الزيتونة».

لقد اعتبر من أطلقوا على أنفسهم صفة أساتذة وعلماء ومشايخ جامعة الزيتونة أنّ تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة «يتناقض مع القرآن والسنّة ويخالف أحكام الأسرة والفطرة الإنسانية السليمة ويضرّ بالمرأة والأبناء ويُهدّد سلم المجتمع وانسجامه ويزعزع الأمن القومي بنشر الإباحية وإشاعة الفاحشة» و«يخالف أحكام الأسرة القطعية في الإسلام من أحكام الميراث والنفقة والمهر والعدة والنّسب وغيرها».

وأشاروا في بيانهم الصادر عنهم يوم الخميس 28 جوان الفارط إلى أنّ التقرير تعمّد إلغاء المصطلحات المعبّرة عن هوية الشعب العربي الإسلامي والتعدّي على مقدساته الدينية وقيمه الروحية والأخلاقية وأعرافه الاجتماعية».... وطالبوا بسحب التقرير وإلغائه استنادا إلى الفصل الأوّل من دستور 2014.

وقبل المساهمة في تفكيك بنية هذا العقل الذي أنشأ هذا البيان لا بد من الإشارة مبدئيا إلى أنّ توجّه مجموعة من الأساتذة ببيان للرأي العام في هكذا قضايا إشكالية معقّدة وخطيرة في علاقتها بالدّين والأسرة والهوية يعتبر متناقضا مع وظيفتهم الأصلية، إذ يفترض أنّهم أساتذة وينتمون إلى مؤسسة أكاديمية وكان منتظرا أن يساهموا في النقاش العلمي بهدوء ولكن مبادرتهم بهذا البيان التحريضي والذي يعتبر أشبه بإعلان حرب إيديولوجية ودينية يكشف عن نزوع لدى تيار في الجامعة الزيتونية للقيام بدور الأوصياء على الدّين والهوية.(أمر شبيه بما يقوم به بعض مشايخ الأزهر).

وفي انتظار ردودهم العلمية والدّينية التي وعدوا بتأليفها فإنّنا نسجّل باستغراب شديد حجم التوتّر والخوف بل الرعب الذي أصاب هؤلاء الأساتذة، في ردّهم على هذا التقرير الذي أعدّته لجنة علمية متكوّنة من نخبة مثقفة وعالمة من بينهم «عبد المجيد الشرفي» و«سليم اللّغماني» و«إقبال الغربي» وهم من خيرة أساتذة الحضارة والفكر الإسلامي والقانون الدستوري. فالأفكار والمقترحات ومشاريع القوانين التي تضمّنها التقرير ما تزال مجرّد مشروع مطروح للنقاش وهي ستحال على مجلس النواب للنظر فيها، كما أنها باتت في متناول الجميع وهي مفتوحة للتعديل والتصويب والرأي على أوسع نطاق تونسي بل وعربي وإسلامي أيضا وليست ملزمة بالضرورة هذا أوّلا، وثانيا أنّ من اطلع على التقرير قد لاحظ عمق الرؤية التأصيلية والمقاصدية العميقة لمشاريع هذه القوانين والاقتراحات بما يتناسب مع تأويل تنويري للإسلام وانفتاح كوني على مكتسبات الحداثة ومختلف المعاهدات الدولية التي أمضت عليها تونس.

وعلى هذا الأساس نرى أن العقل الذي أنشأ هذا البيان هو بكلّ أمانة ودونما تعسّف إنما هو عقل تقليدي محافظ ومتكلّس، يرفض النقاش ويصادر حرية التفكير في الشأن الدّيني وفي ضرورة تجديده ويرغب في ممارسة نوع من الوصاية على أمر الدّين والهوية بخلفيات إيديولوجية وسياسية شبه واضحة. ولتوضيح ذلك نقول أن تقرير لجنة الحريات والمساواة لا يتعارض مع القرآن والسنة كما جاء في بيانهم وإنما يتعارض مع كلّ القراءات النصية والسلفية والأصولية/غير التّاريخية للقرآن والسنّة وهو أي التقرير في تناغم تام مع مقاصد الشريعة وروح القرآن الكريم في انتصاره لكرامة الإنسان وحريته والحرص على كرامته الجسدية ومنع كلّ تمييز يطال الإنسان/ رجلا كان أو امرأة على أساس المذهب والعرق والمعتقد والجنس.

وإذا كانت رؤية أساتذة الزيتونة و(ولا نقول علماء ولا مشايخ لما فيها من مبالغة وادعاء) ما تزال تقليدية في محافظتها على المنظومة الفقهية والتشريعية القديمة القائمة على بنية الأسرة والمجتمع الرجالي والذكوري حيث كانت القوامة والتمييز في الميراث والمهر والعدّة والنسب متناسبة معها فإن رؤية أستاذة التقرير المقدّم للنقاش برئاسة «بشرى بلحاج حميدة» يستند لرؤية حديثة تفرض تأويلا للفكر الإسلامي المقاصدي بصورة يتناسب معها و بنية المجتمع والأسرة الحديثة القائمة على المساواة وحقوق الإنسان/ الفرد وعلى التخلي عن كلّ القوانين والإجراءات التي تكرّس دونية المرأة والتي تتضمّن تعدّيا على حقوق الإنسان الفردية وعلى حرمة جسده وحرية ضميره.

لا نريد أن نذكّر بانتهازية الطرح السلفي وانتقائيته وعدم جدّيته في ادّعائه الدّفاع عن الآيات الصريحة والقطعية الدلالة والتي يقولون أنّها لا تحتمل الاجتهاد وذلك لأن صمتهم عن الكثير من الآيات الصريحة التي تشرّع لما ملكت أيمانكم من العبيد والإماء ومختلف آيات الحدود والعقوبات الجسدية من قطع للأرجل ورجم وما إلى ذلك كافية للردّ عليهم ولكنّنا نذكّرهم ونذكّر من يقول بقولهم أن الاستبداد والمنع ومصادرة الحريات الفردية وأنماط السلوك والعيش «الرجالي» الذي يقصي المرأة ويتحرّش بها في الفضاء العام في الكثير من مجتمعاتنا التي تزعم الأصالة والإسلام هي الأكثر في معدّلات العنف والجريمة والشذوذ مقارنة بالمجتمعات الغربية مثلا.

لم يعبّر أساتذة الزيتونة (والأصح أن نقول فريقا منهم يريد السطو على هذه المؤسسة على اعتبار أنّ هناك عشرات الأساتذة الآخرين ممّن رفضوا الإمضاء على هذا البيان ومنهم من دعي للنقاش وتبادل الرأي مع لجنة الحريات والمساواة في كنف الاحترام والتقدير) عن بنية تفكير محافظة وتقليدية يمكن تفكيكها ومناقشتها وتطويرها طالما قبلت السّجال والجدال وإنّما عن نزوع إيديولوجي وسياسي لا يريد المساهمة في التفكير والتجديد وإنما يرغب في الوصاية على الناس باسم الأصالة والفطرة السليمة والأعراف الاجتماعية وقيم المجتمع الأخلاقية والروحية وهي مصطلحات ومفاهيم رجراجة لا يوجد اتفاق حول دلالاتها الدّقيقة. والغريب أن نجد لديهم هذا الهوس بالتأصيل التقليدي الجامد فمع أن مصطلحات مثل «القوامة» و»العدّة» و»المهر» ونضيف إلى ذلك «الشورى» وغيرها إنّما هي نتاج لبنية إجتماعية وذهنية وابتسمولوجية وتاريخية زالت منذ قرون وليست من جوهر العقيدة الإسلامية إلاّ أنّهم يصرّون على إبقائها واستمرار استعمالها بداعي التأصيل، حتّى إن كان شكليا. ورأينا أن دافعهم في ذلك هو المحافظة على سطوتهم ووظيفتهم التقليدية التي باتت مهدّدة بالاندثار منذ حقب طويلة.

وحكاية تعلّقهم بتطبيق الفصل الأول من دستور2014 الذي يؤكد على إسلامية الدولة يؤكّد حقيقة مكرهم واستعدادهم ورغبتهم العميقة والدفينة في السطو على كلّ ما جاء في الدستور من تأكيد على مدنية الدولة ونظامها الجمهوري ووضعية دستورها وبنائه على مبادئ الكرامة والحرية والمساواة دون تمييز. وهو ما لن يصلوا إليه لأنهم يجدفون ضدّ التاريخ والتقدّم وهم أشبه بالكائنات الهجينة التي تحارب في صورة كاريكاتورية أعداء وهميين.

وإنّه من المؤسف حقاّ أن يتدخّل أساتذة لا من أجل النقاش والإقناع وإنما من أجل التخويف والتهديد والترهيب بدعوى خوفهم من انتشار الفاحشة والرّذيلة. فهل الفحش والرّذيلة أن نضمن حريات الناس الفردية وكرامتهم الجسدية وحرية ضميرهم وتساويهم أمام القانون والتي تتناغم مع احترام القوانين وقواعد العيش المشترك أم في إقصاء المرأة وتبخيسها حقوقها وامتهان كرامة وجسد الإنسان لاختلاف ميولاته العقائدية و الجنسية. لقد صرخ الصحابي «عمر بن الخطاب» مرّة: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا»؟ وها أن الإنسانية تحقّق بالحرية رغم كلّ ما يمكن أن يتهدّدها من المكاسب للبشر ما لا يمكن أن يحقّقه التسلّط على رقاب الناس وتنميط حياتهم ووجودهم مهما كانت خلفياته.