الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



تلوينات

ماجدة وكاظم والجدل الفايسبوكي


روضة الشتيوي

من بين المواضيع الأكثر طرحا اليوم في موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك، إلى جانب مواضيع نقص الحليب وقطع الماء وشحّ الدواء، و-طبعا- قصيدة الشاعر المنصف المزغنّي «الحليب والعسل» التي قرأها في حفل افتتاح كرسي الشابي للشعر بمدينة الثقافة ويبدو كلّ هذا الجدل حولها غريبا نوعا ما وغير بريء في نفس الوقت، نجد موضوع استقدام الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي والفنان العراقي كاظم الساهر إلى الدورة الجديدة من مهرجان قرطاج الدولي التي تنطلق في الثالث عشر من الشهر الجاري وتتواصل إلى غاية السابع عشر من شهر أوت القادم، وما يقال ويطرح بشدّة من طرف الكثيرين مبعثه أن حضور ماجدة وكاظم يتكلّف على ميزانية المهرجان، التي هي في النهاية من المال العام، مبالغ مرتفعة بالعملة الصعبة كان من الأولى والأحرى أن يتم استغلالها في حلّ جزء ولو ضئيل من هذا الكم الهائل من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المخيّمة على البلاد والكاتمة للأنفاس.

والحقيقة أن كلّ هذا الذي يقال لا يمكن تجاهله باعتبار أن الفترة الحرجة التّي تمرّ بها البلاد على الصعيد الاقتصادي تمسّ عموم التونسيّين وخصوصا الطبقة المحرومة التي بدأت تتوسّع دائرتها شيئا فشيئا حتّى بدأت بعض الشرائح من الطبقة المتوسّطة تسقط هي الأخرى في فلكها لتصبح اليوم تعاني ضنك العيش في ظلّ كلّ هذا الغلاء وهذا الإفلاس الذي يطال مع كلّ فجر جديد مؤسّسات البلاد وشركاتها ومواطن عيش الكثيرين ومصدر كرامتهم.

من هؤلاء المتسائلين عن جدوى هذا الحضور من دلّل على وجاهة ما ذهب إليه بما أعلنه وزير الثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي، من قرار يتعلّق بوقف دعوة الفنانين من الخارج لإحياء حفلات في الجزائر، مؤكدا أن المؤسسات الثقافية والفنية، التابعة لوزارة الثقافة لم يعد مسموحا لها بدعوة فنانين عرب، أو أجانب للمشاركة في مهرجانات، حتى لو كانت عملية جلبهم برعاية شركات، وتمويل بعيد عن وزارة الثقافة، لأن ذلك مكلف بالنسبة إلى الدولة، وأنه حتى إذا ما وجدت شركات تموّل العملية، فالأمر سيان، لأنه يتعلق بتحويل العملة الصعبة إلى الخارج، بينما تعيش البلاد أزمة حقيقية، مؤكدا أن تلك الأموال ستخصص لدعم الفنانين المحليين، الذين كثيرا ما اشتكوا من التهميش، وتقاضي مبالغ زهيدة نظير مشاركتهم في المهرجانات، خلافا للفنانين الأجانب، الذين كانوا يحصلون على أجر مرتفع.

وهنا لا بدّ من التأكيد على أنّ إدارة أيّة أزمة اقتصاديّة هي شأن يهمّ كلّ الأطراف الفاعلة في الحكومة ولا يهمّ فقط الوزارات المعنيّة بالمال والاقتصاد، أمّا أن تسيّر وزارة ما برنامج عملها على النّحو المعمول به في ظلّ الظروف الاقتصاديّة العاديّة فهذا ما يعني أنّ المسؤول عنها في واد وما يحدث في البلاد من تفقير وتهميش وانهيار مدوّ في واد آخر، وإن كانت الجزائر ممثلة في وزير ثقافتها قد اختارت هذا الحل لدعم الفنانين الجزائريّين فإنّ ما ذهب إليه هؤلاء الفايسبوكيون من وجوب عدم إهدار هذه الأموال يعدّ أمرا طبيعيّا والحال أن تونس في حاجة إلى استغلال أي مبلغ مهما كان زهيدا في أيّ شأن من الشؤون مهما صغرت مادام لا يوجد موجب لصرفه خارج هذا الإطار حتّى لا يتحوّل الأمر إلى تبذير في وقت أصبح فيه التبذير ترفا صعب المنال.

وبالعودة إلى ماجدة الرومي وكاظم الساهر ورغم أن حضورهما يعتبر نقطة مضيئة في برمجة مهرجان قرطاج لهذا العام وأنهما من الفنانين الذين يلاقون الإقبال الكبير من طرف الجمهور التونسي رغم حضورهما المتكرّر على هذا الركح، فإنهما يجيئاننا هذه المرّة في ظلّ ظرف دقيق تبقى البلاد فيه في حاجة إلى عدم إثقال كاهلها بصرف العملة الصّعبة، وهو أمر لا يمكن لأحد أن يجادل فيه أصحاب هذا الرّأي من الذّين يعيشون في قلب هذا الوضع المأساوي الذي وصلت إليه البلاد.