الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



تلوينات

ألا إن قلبي من فراق أحبتي


كان يحلو للبعض منذ سنوات خلت التنغّم بوصف تونس بـ«الحبس الكبير»، ويبدو أنها كانت كذلك بالفعل بالنسبة إلى بعض المعارضين السياسيين، لكن لمّا فُتحت أمامهم وبقدرة قادر أبواب ذلك الحبس نطّوا سريعا فوق الكراسي الوثيرة، ومدوا وجوههم داخل بيوتنا واقتحموا علينا خلوتنا في المكاتب والسيارات عن طريق أمواج الأثير والتلفزات، بل كادوا يزاحموننا من فرط حضورهم في كل الأوقات والفضاءات حتى في حيز الهواء القليل الذي نستنشقه بشق الأنفس.

وبفضل برامج أولائك السياسيين المتفجعين في الأمس والمترفهين اليوم وبفضل غيرهم أيضا ممن مدّوا أرجلهم في كل مكان على قدر كسائهم الحزبي وزيادة، رجعت تونس من جديد إلى حبس كبير خانق –وبفضلهم مشكورين- لكن هذه المرة ليس للسياسيين وإنما حبس كبير للفقراء وللطبقة الوسطى، وفي مقدمتهم المثقفون والإعلاميون الذين عرفوا ما لم يعرفوه في السابق من ألوان جميلة للتهميش والفرز والإهمال وعدم المبالاة... ومن استغاث منهم فكأن صيحته في واد غير ذي زرع... ولا عزاء لنا في مثل هذا المقام إلا استحضار قول الشاعر الصغير أولاد أحمد:

«ولو قتّلونا

كما قتّلونا

ولو شرّدونا

كما شرّدونا

لعدنا غزاة لهذا البلد».

غير أن هذا البلد يعيش اليوم وفي مثال غير مسبوق من انفصام في شخصية حكومته التي تناضل من جهة من أجل التمديد في سن التقاعد بالقطاع العام من خلال جعله إجباريا إلى حدود سن 62 عاما واختياريا إلى حدود سن 65 عاما، وتعمل في جانب آخر من أجل الإحالة على التقاعد في سن مبكرة هي سن الخمسين، وذلك في إطار ما يُعرف بسياسة الإنقاذ الاقتصادي عن طريق «التطهير». وإذ تغافلت الحكومة عن مطلب معظم جهات البلاد وأحيائها في مدها بشبكات صرف المياه وقنوات التطهير فإنها قد نشطت في مجال تطهير المؤسسات العمومية من أفضل كفاءاتها، وكأننا بخبرائها الاقتصاديين مولعون بنظرية التطهير في الشعر لأرسطو وهي نظرية «الكاتارزيس» التي تقوم على تنقية نفوس المتلقين بواسطة إثارة الخوف والشفقة من المصير المأساوي للأبطال في الشعر المسرحي التراجيدي. ولا شك في أن البلاد تعيش اليوم أكبر عرض مسرحي تراجيدي أبطاله المسيرون الحكوميون وضحاياه النخب الإدارية والعاملون بالقلم والفكر.

ولعل أسوأ ما في ثقافة الهروب إلى المجهول عن طريق التطهير الاقتصادي -وهي أيسر طريقة يمكن أن يلجأ إليها هواة السياسة وطلبة الاقتصاد ولكنها بلا ريب أخطر الحلول المتاحة، لأنها ستعمق أزمة الصناديق الاجتماعية وإفلاسها- هو القضاء المفاجئ والمبرم على «السند الإداري» و«السند الثقافي» و«السند الإعلامي»، أي إحداث قطيعة على مستوى ترابط الأجيال التونسية وخذلان مفهوم «تواصل الدولة» في انتقال التجارب من سلف إلى خلف.

وما من تفسير لثقافة تأزيم المأزوم في أيامنا هذه إلا بترسخ سياسة الترقيع والتخبط والقفز على الركام. ذلك أن الإحالة على شرف المهنة لا يعني أبدا النجاح في إزاحة أصحاب العقول المفكرة والأصوات الحرة من طريق من يرون فيهم معارضين ومشاكسين ومزعجين لهم. إن إخراجهم من هياكل الدولة لا يعني مطلقا خروجهم من الدولة ولا نفيهم منها، لأن الكلمة المبدعة تظل دائما عابرة للحدود والسجون وساكنة في العقول وموقظة للعزائم والهمم ومغيّرة للسلوك.

فلا مفر منها إلا إليها.

ولعل أصل البلاء وما يجعل الدواء الحكومي داء يضاعف كل داء هو أنه صارت لتونس سلطة بلا ثقافة وأحزاب بلا مثقفين.

إن من يحكم تونس اليوم يجهلون للأسف تاريخها... فلا يمكن أن نبني أو نصلح على فراغ. فما يجهله سياسيو اليوم أنه لا وجود لدرجة صفر في السياسة أو الاقتصاد أو في الإصلاحات الإدارية والاجتماعية، فالوطن يبنى على تواصل الإنجازات والتجارب.

ونلاحظ أن الحكّام كانوا فيما مضى بتونس أدباء وعلماء، وكان من تعوزه منهم روح الإبداع يجمّل مجلسه بالمثقفين من أجل نُصحه وأنسه. ولم ينقطع هذا الحال للأسف إلا بعد الثورة وكان الوزراء في عهديْ بورقيبة وبن علي وفي خضمّ عملهم الحكومي الموصول ليلا نهارا، كانوا لا ينقطعون عن المطالعة والتأليف وإصدار المؤلفات، وكانت لكل منهم صداقات بأهل القلم من المثقفين والإعلاميين يرعونها بالاستشارة والتقدير والتبجيل، وكل ذلك انعدم للأسف في السنوات الأخيرة.

فتونس التي فرطت منذ سنوات قليلة في سيادتها المالية وارتمت بلا وعي من سياسييها في أحضان الوصاية الدولية ها هي تواصل اليوم التفريط في مثقفيها وتعمل من حيث لا تعلم على القضاء على مخزونها الرمزي وتفكيك ذاكرتها الثقافية...

وفي هذا المعنى فإن إحالة الأقلام المبدعة والمثقفة على التقاعد في سن مبكرة يعزز بلا شك تعطيل التنمية الشاملة للبلاد في ظل عدم اتخاذ الحكومة أيّ إجراء أو حلّ لإيقاف نزيف هجرة العقول/العلماء إلى الخارج.

ولا نزاع في أنّ السياسة تكتسب نجاعتها من العناية بالتفاصيل ومن التفكير في رمزية الأقوال والأفعال، إذ أنه لا شيء يقوم به السياسي غير خاضع للقراءة الرمزية.

أما نجاح كل سياسة فهو رهين النظرة الشمولية لأصحابها... فالدولة ليست جزرا متفرقة وإنما هي كتلة واحدة وضامنة لوحدة ترابها وشعبها وثقافته.

وما يجرني إلى هذا الحديث هو تذكر عبقرية النخب الوطنية المثقفة خلال تسعينات القرن الماضي، حيث كانت تشارك من مواقعها المختلفة في بناء الوطن، وكانت تجد من ممثلي السلطة آذانا صاغية. وهو الحال الذي افتقدناه اليوم لأن الأحزاب صارت فوق الوطن، ولأن الغاية لم تعد ممثلة في خدمة الشعب التونسي وإنما في خدمة المواعيد الانتخابية.

إن الثقافة لم تكن شأنا منحصرا في وظائف وزارة الثقافة، وإنما كانت مشغلا للدولة برمتها، من ذلك أنه عندما وقع التفكير في إحداث جريدة الصحافة، فإن ذلك بدافع وطني ولغاية وطنية، وهي أن تكون للدولة جريدة ناطقة بالعربية وهي اللغة الرسمية للبلاد، والركيزة الأساسية لهوية شعبها العربية الإسلامية.

وقد عملت جريدة الصحافة على استقطاب ألمع الأقلام والمبدعين الذين لم يدخروا جهدا في خدمة الثقافة التونسية، بصرف النظر عن انتماءاتهم الإيديولوجية وحساسياتهم الفكرية، وكانت بحق منبرا حاضنا للمثقفين ولأنشطتهم وإصداراتهم، وكان ذلك طابعها الغالب في كثير من ملاحقها «ورقات ثقافية» و«الرواق» و«ملحق الإذاعة والتلفزيون» و«ملحق الأحد» وفي صفحاتها الثقافية اليومية...

فماذا يمنع الحكومات اليوم من العناية بمنابرها الإعلامية وتأكيد عنايتها بها ورعايتها للعاملين بها بصرف النظر عن تبنيهم لفكرة الإعلام العمومي في مقابل تخليهم عن فكرة الإعلام الحكومي، خاصة أن الحكومات صارت من ناحية غير مستقرة ومن ناحية أخرى كثيرة التخبط في السياسات الخاطئة؟

المشكل القائم في مسؤولي مثل تلك الحكومات أنهم لا يقرؤون سوى العناوين. وكان أحرى بهم القراءة العميقة وترك سوء الظن والنبش في دوافع الكتابة وتقصي خلفيات الكتاب، لأن المهم هنا هو الفهم والاتعاظ من النصح والنقد والتفاعل الإيجابي معها من خلال مناقشة أصحابها إما تثمينا لرؤاهم وإما تصحيحا لأخطائهم في الرأي إن وُجد.

لقد كان العمل في جريدة الصحافة مثلما يذكرنا دائما بذلك زميلنا الرائع سالم بوليفة تحت الضغط العالي... ضغط المسؤولية إزاء الوطن... وذلك في مقابل أنواع أخرى من الضغط في بعض المنابر الإعلامية الأخرى الخاصة، على غرار مثلا ضغط المحافظة على حجم المبيعات أو البحث عن سبل رفعها لأنه الضامن لتواصل صدور الجرائد الخاصة.

إن ضغط التفكير في المصلحة الوطنية العليا في مختلف المجالات كان وما يزال هاجس أقلام جريدة الصحافة، وكان يجب تثمينه والتنويه به من زاوية النظر هذه.

وحتى الخوف سابقا من السلطة كان رائعا لأنه على الأقل يعكس وجود سلطة قارئة وقادرة على التفاوض مع خصومها ومخالفيها، وهو ما يترجم في الواقع اعترافا ضمنيا وواضحا بأهمية دور المثقفين والإعلاميين في المجتمع والدولة بخلاف سلطة هذه الأيام فإنها سلطة لا تقرأ وبالتالي فإنها سلطة مهملة وبلا عقل، فلا تثمن ولا تصلح، وإذا كان الجهل والتهاون والتقاعس حال السلطة فإنها لا تقدر الرأي والرأي المخالف ولا تفاوض ولا تصلح، ومن لا يُصلح فإنه بلا ريب لا يَصلح أساسا، ثم إنه في الواقع من يخدم الشعب التونسي ويحمل هموم وطنه فكريا فإنه في صف الحكومة وإن خالفها في أحيان كثيرة سياسيا أو اقتصاديا، فمثلما لا وجود لأقلام معصومة من الزلل فإنه لا وجود لحكومات معصومة أيضا من الأخطاء. ثم ما يمنع بعض مفكري الحكومات المتعاقبة ووزرائها من إبداء مواقفهم وتوضيح أفكارهم وتوجهاتهم في مقالات تنشر في جريدة الصحافة أو غيرها مثلا؟ أليس أنه لا إقصاء إلا لمن أقصى نفسه؟

إن معاضدة جهود تفقير الشعب التونسي ماديا بتفقيره أيضا إعلاميا وثقافيا سينتهي بعد إقرار إجراءات جبائية ومالية مرعبة عمّقت الخوف في نفسية الشعب التونسي المتأزمة أساسا وكبلت قواه الحيّة التي صارت جميعها متهمة بشبهة الفساد والإثراء غير المشروع إلى أن يظهر خلاف ذلك. وإنّ النظر إلى مثل تلك الجهود «التفقيرية» من وجهة نظر تاريخية ينتهي إلى توقع أنه سينتهي قريبا بما انتهت إليه أوضاع البلاد سنة 1864 بانتفاضة شعبية ستأتي على الأخضر واليابس هذه المرة، وستحمل تقريبا نفس شعاراتها الثلاثة: «لا للمجبى» و«لا للإصلاحات» و«لا للمماليك» الذي يفيد اليوم معنى «لا للأحزاب ولا للسياسيين»، وهي شعارات يكتمها معظم التونسيين اليوم في نفوسهم في انتظار لحظة الانفجار الجماهيري الأكبر التي لا نتمناها... لكن تلك اللحظة لن تعيد للأسف لجريدة الصحافة أقلامها اللامعة التي أحيلت على التقاعد الإجباري المبكر (لأنه في الحقيقة اختياري لكن تحت ضغط الخوف من انقطاع الرواتب بعد تكرار تأخر حالات صرف الجرايات والمنح أصبح الأمر يتعلق بنوع من الإكراه المالي المرتبط باستقرار الأسر).

ولا نملك في الأخير إلا استحضار بعض أبيات المتنبي:

«أَلا إِن قلبي من فراق أحبتي***وإن كنت لا أبدي الصبابة جازع

ودمعي بين الحزن والصبر فاضحي***وستري عن العذال عاص وطائع»

ونختم في التفجّع على فراق الأحبّة بالحياة بقول الله تعالى: و«اصبر وما صبرك إلا بالله».

 


منصور